لطالما اعتبرت قوى حركة التحرر الفلسطينية أن التناظر حول المحتويات والتوجهات النظامية لفلسطين المستقبل يعد نوعاً من الترف. كان الرأي السائد هو فلتتحرر فلسطين أولاً، ثم يلي ذلك النظر في طبيعة النظام الاجتماعي الاقتصادي السياسي الأنسب لها.
لهذا طغى البعد السياسي على ما عداه، وداخل هذا البعد ظل العنف الثوري المسلح مصدر الشرعية الأكثر بروزاً عما عداه أيضاً. الأدبيات المتراكمة في زمن العنفوان الثوري، توشك أن تخلو من تنظيرات معمقة ذات شأن حول الخيارات المحتملة لتوجهات النظام السياسي الفلسطيني، وهل سيكون رأسماليا بحتا أم اشتراكيا أم مختلطا أم شيئا آخر يبدعه الفلسطينيون؟!
القصد أن عهد الثورة الفلسطينية خلا من برنامج اجتماعي اقتصادي للتغيير الشامل. ونحن نميز هنا بين ما ينتمي للأفكار السياسية الإعلامية الدعائية (التعبوية) التي وفرتها فصائل الثورة، وبين بناء منظومة اجتماعية اقتصادية تعليمية ثقافية، تستهدف إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني وتهيئته بالكامل لمرحلة الدولة.
في حمأة الانخراط والاستغراق في السياسي، لم يفطن أحد إلى هذه النقيصة. وغطى وجود مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الجامعة، على غياب مثل هذه التهيئة أو عشوائيتها. والأرجح أن تبلور التيار الإسلامي بتنظيميه الكبيرين، حماس والجهاد، وتبنيه لمرجعية إيديولوجية مختلفة بشكل ظاهر عن مرجعية المنظمة، أبرز التمايز الكبير بين القوى الفلسطينية تجاه فلسطين المستقبل وحشوها النظامي والأيديولوجي.
بصيغة أخرى، أدى ظهور التيار الإسلامي واقتحامه للمجال السياسي كمنافس قوي، إلى انقسام عمودي بين الرؤى المتعلقة بفلسطين المأمولة. وصار للحديث عن قوى علمانية مقابل أخرى دينية، بكل ما يعنيه هذا التمايز من حمولات إيديولوجية وتوجهات نظرية وتطبيقية مختلفة، مبررات قوية.
كان يمكن لهذا الانقسام أن يظل مأموناً، طالما أن فلسطين ما زالت تخوض معركة التحرر ولم يظهر في الأفق ما يوجب التكاسر عليه.. غير أن قيام السلطة الوطنية وإرهاصات الدولة القادمة، عجل بالانقسام. وساهم في دفع الحالة إلى الصدام أكثر فأكثر، اعتماد التيارين المتشاكسين على مدد أطراف خارجية لها رؤاها ومصالحها المتعارضة.
والرأي، أن أسهل وصفة لإعادة اللحمة إلى الحركة النضالية الفلسطينية، هي التي تمزج بين قناعات ثلاث: أولها، أن فلسطين لم تتحرر بعد فعلاً. وثانيها، أن في التنافس الديمقراطي متسعا لتحويل الانقسام الخبيث إلى تعددية حميدة. وثالثها، أن القوى الخارجية لن تكون أغير على وحدة الفلسطينيين ومصيرهم من أنفسهم.