شبه الكثير من المراقبين مسألة عضوية روسيا في منظمة التجارة العالمية بمسألة عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، فكلاهما واجه مشاكل كثيرة واعتراضات من العديد من الدول.
وكانت الولايات المتحدة تصرح إعلاميا بترحيبها بروسيا في عضوية المنظمة ثم تذهب وتضع أمامها العراقيل وتمارس الضغوط، إما بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عن طريق دول أخرى حليفة لها، وتعامل البعض مع روسيا في هذه القضية وكأنهم يمنحونها منحة أو هدية، في الوقت الذي كانت الآراء منقسمة داخل روسيا إلى قسمين، احدهما يؤيد الانضمام والآخر يرفضه ويرى فيه ضررا على الاقتصاد الروسي، خاصة وأن روسيا ليست دولة تجارية بشكل كبير مثل الصين واليابان ودول أوروبا.
وأهم السلع التي تصدرها روسيا للخارج لا تخضع لاتفاقيات التجارة الحرة، مثل النفط والغاز والسلاح والتكنولوجيا النووية، كما أن روسيا من الدول التي تفرض رسوما ضريبية عالية على الواردات المنافسة للإنتاج المحلي، وتعد هذه الضرائب مصدرا هاما للعملات الصعبة لروسيا، وهو المصدر الذي ستحرم منه بدخولها في المنظمة.
وعلى ما يبدو أن تأثيرات الأزمة المالية العالمية جعلت الاهتمام بعضوية منظمة التجارة العالمية يتراجع بشكل كبير، الأمر الذي جعل الحكومة الروسية مؤخرا تتخذ موقفا هاما شكل صدمة للآخرين ممن كانوا يساومونها على هذه العضوية، حيث أعلن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إرجاء التفكير في مسألة عضوية روسيا في منظمة التجارة العالمية، وان تفكيرها في الدخول فيها ليس منفردة بل في إطار جماعي مع دول أخرى.
لقد تنفس الكثير من الخبراء الاقتصاديين الروس الصعداء، حينما أعلنت الحكومة الروسية قرار وقف مفاوضات انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، لأن الانضمام إلى هذه المنظمة قد يؤدي، في رأيهم، إلى انهيار غالبية قطاعات الاقتصاد الروسي أمام تدفق السلع الأجنبية على أسواق روسيا، ربما باستثناء صناعة الحديد والصلب وصناعة الأسمدة.
ويرى هؤلاء الخبراء أن الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية تنظر إلى روسيا بأنها مورد المواد الأولية ومستورد السلع المصنعة فحسب. ولعل القيادة الروسية أدركت ذلك فقررت وقف مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية انفراديا، وبدء مفاوضات انضمام ثلاث دول أعضاء في «الاتحاد الجمركي» ـ روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا ـ مجتمعة.
وهذا يعني في حقيقة الأمر أن موسكو عدلت عن فكرة الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، لأنه لا توجد قاعدة قانونية تتيح لهذه المنظمة قبول عضوية مجموعة دول. ولهذا لا يُنتظر أن تجري المنظمة مفاوضات انتساب «الاتحاد الجمركي» إلى عضويتها.
وسرعان ما استغل بعض المنتجين الروس قرار وقف مفاوضات انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. فقد أعلنت وزارة الزراعة الروسية ارتفاع رسوم الجمارك على بعض السلع الغذائية المستوردة.
وتعليقا على ذلك قال الخبير الاقتصادي الروسي يفغيني إيفانوف من معهد أبحاث سوق السلع الغذائية، إن قرار الحكومة الروسية «أطلق يدنا، إذ بات بإمكاننا بذل ما بوسعنا لحماية السوق المحلي، لأن أعضاء منظمة التجارة العالمية لم يعودوا يستطيعون محاسبة روسيا».
من الواضح أن موسكو تفضل إنجاز الاتحاد الجمركي على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، فالسياسة الاقتصادية الروسية، كما يراها الكثيرون، تعطي أولوية لدول الجوار السوفييتي السابق، وتسعى لأن تخلق منها كيانا اقتصاديا مستقلا ومكتفيا بذاته.
الغريب أن روسيا على مدى أكثر من عشر سنوات قطعت شوطا طويلا في الانضمام لعضوية المنظمة، ولم يبق لها إلا القليل، ولكنها تعرضت للكثير من المساومات والضغوط من العديد من الدول، لدرجة أن دولا صغيرة لا أهمية لها في الاقتصاد العالمي، كانت ترفض عضوية روسيا لأسباب سياسية.
ولكن هل ستندم روسيا على قرارها هذا بالتراجع عن التفكير في عضوية المنظمة؟ الخبراء يقولون إن العكس هو الصحيح، وأن المنظمة نفسها هي التي ستخسر الكثير بعدم وجود روسيا داخلها، وربما تجر روسيا وراءها دولا أخرى خارج المنظمة، الأمر الذي سوف يهدد استمرارية وبقاء هذه المنظمة.
خبيرة اقتصادية روسية