قبيل القمة الثالثة عشرة للاتحاد الأفريقي (1-3 يوليو الجاري)، أصدرت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي تقريرا تقييميا مهما لأحوال القارة السمراء الاقتصادية والسياسية.. أبرز ما أشار إليه أن البلدان الأفريقية تأثرت بشدة بانهيار التجارة العالمية وضمورها خلال العامين الأخيرين، وكذا بانخفاض أسعار المواد الأولية.
الأمر الذي يقلل دخول كثير من الدول ويهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي. وعليه، ذهب التقرير فيما يشبه النصيحة إلى ضرورة تنويع الأفارقة لمصادر دخولهم، والتخلص تدريجيا من أحابيل الاعتمادية المفرطة على تصدير المنتجات الأولية وفي طليعتها النفط والمعادن.
وذكر أن الأزمة الاقتصادية المتفاعلة حاليا ستلقي بظلالها أكثر على شعوب دول المنتج الوحيد.. بينما تتصاعد فرص النجاة بالنسبة لذوي الاقتصادات المتنوعة والمصدرة للمنتجات الزراعية. لو كان بالمقام متسع لاستطردنا إلى أننا بصدد تقرير أوروبي، عالج بعض شؤون الأفارقة وشجونهم بشكل دقيق ومخلص، وهذا يستحق الإشادة.
غير أن ما ينبغي التنويه إليه والإشادة به أكثر، بأثر رجعي وحالي ومستقبلي، أن فقه التنمية الاجتماعية والاقتصادية العالمثالثي سبق أن بح صوته لعقود وهو يحذر من جرائر الاقتصادات أحادية المنتج، وبخاصة المستنيمة منها للمنتجات القابلة للنفاد أو النضوب أو الاستبدال.
ما كان أغنى الأفارقة عن الوقوع ضحايا الأزمة الاقتصادية العالمية وتوابعها عليهم، لو أنهم استمعوا لهذا النداء فاتجهوا إلى فك الارتباط مع الأغنياء والمتقدمين من ناحية، والى تنويع منتجاتهم والتركيز على نظرية الوفاء بالحاجات الأساسية لشعوبهم، الغذائية منها بالذات، من ناحية أخرى.
ربما زادت وتيرة الإحساس بهذه المنظورات التقليدية أخيرا. يشهد بذلك الشعار الذي رفعه زعماء أفريقيا لقمتهم «التنمية الزراعية محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية»، وانشغال القمة بمستلزمات تطبيق هذا الشعار.. كمشروعات تطوير الموارد المائية والرعاية الصحية، وكيفية إعادة استقطاب الكوادر الأفريقية ذات الخبرة والدربة في هذه المجالات من دول العالم الأول.
تأخر الأفارقة كثيرا في إعطاء الأولوية لقطاع الزراعة الذي تعمل فيه 70% من قوتهم العاملة. وتقديرنا أن العناية المتأخرة أفضل من التجاهل والهجران إلى ما لانهاية. وإذا ما احتفظ المسؤولون بقوة الدفع الناجمة عن هذه الصحوة، فلن تكون الأزمة الراهنة، أبعادها الغذائية بخاصة، هي السبب في ذلك.. وإنما الانتباه إلى ما تؤشر إليه هذه الأزمة وتنذر به من قلاقل وتوترات اجتماعية سياسية، قد تتدحرج وتكبر ككرة الثلج ولا يفلت منها أحد في جهات القارة الأربع.