التحدث عن الأمور الغيبية هو مبالغة عقلية متفق عليها، لأنها لن تفي الموضوع حقه في التعرف على غيبيات الحياة المحجوبة سلفا، لكن محاولة التعرف على التفاصيل الغائبة في هذا الزمن تظل دائما مغامرة للبحث عن الحقيقة المتكاملة في ما حدث، وهذا ينسحب على تلك الوريقات التي نشرها مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي، والتي رفعت عنها السرية بعد مضي ما يقارب الخمس سنوات من حدوثها.
وتكشف هذه الوثائق مجريات التحقيق مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في موضوع أسلحة الدمار الشامل، وكيف تعمد أن يترك العالم يعتقد أنه كان يمتلك أسلحة دمار شامل، لأنه كان يخشى من أن يبدو العراق ضعيفا أمام أعدائه وخاصة إيران.
هذه الحقيقة التي كان يعرفها رجل الشارع قبل المسؤول، والتي بسببها يتكبد العراق ثمنا باهظا لا يمكن اختصاره في مقالات أو كتب، لان التأثير النفسي للدمار الذي يمر فيه الإنسان العراقي لا يمكن التقاطه في صور معبرة، ناهيك عن أن مستقبل العراق وحاضره يمران عبر البوابة نفسها، فالحاضر لا يبشر بانفراج قريب، والمستقبل رهان على الواقع المعاش.
ولعل الخوف من دول الجوار ولاسيما إيران والذي قاد صدام حسين إلى تبني هذا الرأي، هو نفسه الذي قاد العراق إلى الاحتلال والى اجتياح إيراني طائفي، لكن هل ذهب صدام حسين إلى قبره برجليه؟ كل ما حدث بعد دخول الأميركان للعراق يؤكد أن المغامرة لم تكن دقيقة في حساباتها، وان نهاية حقبة زمنية حكمت العراق بالحديد والنار، هي نهاية أيضا للدولة والسيادة والأمن، ونزيف موجع لدماء العراقيين التي تراق في مشاهد يومية دموية، إضافة إلى أن العراق أصبح هو ذاته حقل التجارب الكيماوية والنووية، فقد كشفت التقارير أن القوات العسكرية الانجلو أميركية استخدمت ما بين 1100 و2200 طن من قذائف اليورانيوم المنضب في حربها لاحتلال العراق، فتحولت لعبة البحث عن أسلحة الدمار الشامل إلى تطبيق عملي لماهية هذه الأسلحة.
ومن الطريف أن تعيش الولايات المتحدة كذبة صدام حسين بشأن الأسلحة، لدرجة أن يقوم كولن باول في مجلس الأمن بالتأكيد على أن الاستخبارات الأميركية لديها معلومات دقيقة ومحددة عن مخازن هذه الأسلحة وأماكن إنتاجها ومخابئها، بل والأوامر المحددة التي أصدرها صدام حسين (قبل الحرب) باستخدامها عندما تنشب الحرب، كما كان «رامسفيلد» وزير الدفاع الأميركي السابق دائم التصريح «إننا نعرف تماما أين توجد أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق»! ويا لها من خيبة حين تخرج هذه التقارير الآن لتؤكد انتفاء الدافع الذي سوغ الحرب، والذي بسببه دمرت الترسانة العسكرية الأميركية البنية التحتية والفوقية للعراق وتركته أمام فوضى أمنية غير مسبوقة.
ولكن كما يقال «الضرب في الميت حرام»، فقد رحل من رحل وجاء من جاء، وكان من المعروف أن الإدارة الأميركية في عهد بوش كانت تغذي احتلالها للعراق بجملة من التصريحات الزائفة التي لم يكن لها أي أساس من الصحة، وحتى هذه اللحظة التي يشعر فيها الجندي الأميركي بالإحباط والظلم، لأنه يزج في حرب زائفة وتحت عناوين كبيرة، فإن الصمت لا يزال مطبقا لاستغلال هذه الحقائق لإقامة دعوى ضد هذا الاحتلال غير الإنساني وغير المبرر.
الإفصاح عن هذه الوثائق يقود المهتم إلى أن هناك حقائق أخرى تظل مغيبة عن الرأي العام، وقد لا يأتي وقتها أبدا إلا بعد فوات الأوان، فما حدث في الساعات الأولى من الهجوم الأميركي على بغداد هو أيضا مفاجأة غير متوقعة، وكأنهم قد دخلوا مدينة للأشباح وحاربوا جيشا من ورق، وهذا ما فجع العرب من السقوط السريع لعاصمة الخلافة العباسية.
الحقيقة التي هربت من بين أوراق المحققين لتصل إلى النور في نهاية المطاف، هي أن هذا الرئيس المشنوق كان يعي الخطر الذي يمكن أن تشكله إيران على سيادة وطنه، وكان يرى أنها بحاجة إلى فرصة للدخول إلى العراق من بوابته الأرحب «الطائفية»، ومع ذلك كان يفضل صيت غنى له عواقب وخيمة، على صيت الفقر الذي قد يدخله النفق المظلم. لكن من عاش تلك الحقبة وتمعن في أحداثها، سواء من الشد أو الجذب بين بغداد وبين الولايات المتحدة، كان يلمس أن العراق يوشك على الانطفاء، وان التصريحات الإعلامية التي كان يتلوها «الصحاف» كانت ممسرحة لدرجة البكاء.
وهذا ما ترك انطباعا لدى اغلب العرب أن العراق قد انتهى. لذلك لم يفرح الكثير من العرب بسقوط طاغية العراق كما يسميه العراقيون، ولم يعيشوا غبطة الشعب برحيله، بل كان هناك حزن وتألم من حرية يصدرها احتلال غاشم، لذا ينظر بعضنا إلى محاكمات الرئيس العراقي بشيء من التعاطف، ويعتبر انه صمد على مبادئه الوطنية والعروبية حتى الرمق الأخير، وان اختلف البعض معه.
الواقع الصعب التي تشي به هذه الوثائق هو أن الحرب لم تكن مبررة، وأن الوهم الكبير الذي عاشته الولايات المتحدة وروجت له إعلاميا، كبدها خسائر ضخمة لا يمكن حصرها، وهذا ما لن تفعله بريطانيا التي ترفض رفضا قاطعا نشر أية وثائق تتعلق بحربها في العراق، ويرى جاك سترو وزير العدل البريطاني أن «نشر السجلات سيسبب «ضررا» خطيرا جدا للديمقراطية»، رافضا بذلك قرار محكمة المعلومات البريطانية التي قضت بوجوب نشر تفاصيل المناقشات الحساسة، التي دارت عام 2003 بين الوزراء البريطانيين حول غزو العراق.. فهل من نهاية لهذا التعتيم؟!
كاتبة من الامارات