قام الموفد الدولي للصحراء الغربية كريستوفر روس بزيارة إلى المنطقة، أجرى خلالها مباحثات مكثفة من اجل التوصل إلى الخطوط العريضة التي ستحكم تحركاته في الفترة المقبلة. وقالت أنباء من مصادر قريبة من روس انه اقترح أثناء جولته، استئناف المفاوضات المباشرة برعاية الأمم المتحدة، بين المغرب وجبهة البوليساريو، على أن تعقد الجولة الخامسة القادمة في النمسا. وكانت الجولات الأربع السابقة قد عُقدت في مانهاست بضواحي نيويورك، من دون أن تحرز تقدما ملموسا، باستثناء اتفاق الأطراف على استئناف المفاوضات.

وقد قام روس بزيارة كل من الجزائر والمغرب ومخيمات تيندوف حيث يقطن السكان الصحراويون، وأنهى الجولة بزيارة أسبانيا التي لها أهمية رمزية في مختلف المساعي السلمية في المسألة الصحراوية.

وقد أجرى موفد الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية محادثات مع وزير الخارجية الأسباني ميغيل أنخيل موراتينوس في ختام جولته الثانية في المنطقة، الذي جدد دعم أسبانيا لحل سياسي عادل ودائم ومقبول من كل الأطراف، يحترم مبدأ تقرير المصير في إطار قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء الغربية.

وهذا التصريح يتماشى مع الموقف الاسباني الثابت من المسألة الصحراوية، خاصة الحكومة اليسارية الحاكمة حاليا التي تلتزم بموقف اقرب إلى الموقف المغربي فيما يتعلق بالحكم الذاتي للسكان الصحراويين.

والجدير بالإشارة أن روس وهو يقوم بمهمته الحالية، سينطلق من الجهود التي سبق وان قام بها الموفدون الدوليون السابقون عليه، من دون البحث عن حلول جديدة ومن دون إلزام الأمم المتحدة بتصريحات تخرج عن أو تختلف مع قرارات مجلس الأمن الصادرة بشأن الصحراء الغربية.

فالموفد الدولي السابق فان فولسوم، صرح بان الاستفتاء على مستقبل الصحراء غير ممكن من الناحية العملية، وهو الأمر الذي سبب حرجا للمنظمة الدولية في وقت سابق. ويبدو من تحركات كريستوفر روس واجتماعاته انه سيواصل عمله على أساس ما حققته الأمم المتحدة، وما حققه سلفه، والمكتسبات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، وكذا الدينامية التي خلقتها المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

ذلك أن عمل روس يندرج في «إطار مهمة محددة»، ترمي إلى تنفيذ القرار الأخير لمجلس الأمن، الذي يشدد على ضرورة أن يؤخذ بعين الاعتبار ما تم تحقيقه خلال السنوات الأخيرة، خاصة المكتسبات والدينامية التي خلقتها المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها حلا توافقيا لقضية الصحراء، وهذا المقترح يعد ثمرة سلسلة طويلة من المشاورات على المستوى السياسي والحكومي والمحلي، وحظي بترحيب من المجموعة الدولية، ذلك أن المغرب قامت باتصالات مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن من اجل تسويق هذا المقترح لديها، وكذلك قامت بالاتصال بدول أوروبية معنية بالمسألة الصحراوية، لتحقيق نفس الهدف، وهو ما وفر لها تأييدا دوليا فاعلا له، يمكن أن يعدل من جدول أعمال الأمم المتحدة حول المسألة.

ويبدو أن روس سيسعى إلى عقد لقاء غير رسمي أو أكثر بين ممثلي كل من المغرب وبوليساريو، بهدف توفير أفضل مناخ ممكن لعقد الجولة الخامسة من المباحثات الرسمية بين الطرفين، بشكل فعلي وإيجابي. وكل ذلك من اجل التوصل إلى حل توافقي في إطار الأمم المتحدة.

ويبدو من تصريحات الموفد الدولي في نهاية جولته الثانية في المنطقة، انه أكثر تفاؤلا عما بدا عليه في نهاية جولته الأولى التي جرت في فبراير الماضي، وقد عبر روس عن هذا التفاؤل في بداية جولته بالجزائر، مما يعنى انه استطاع التوصل إلى مداخل أو مقاربات جديدة، قد تساعده في تحريك الجمود الراهن بشأن المسألة الصحراوية، أو أنه وجد أن جمع الطرفين المتنازعين في مباحثات غير رسمية، يمكن أن تساهم في إزالة عوائق فيما بينهم.

وهذا التفاؤل يختلف عن التشاؤم الذي ساد الأوساط المعنية بالمسألة الصحراوية، بعد التقرير الذي صدر عن السكرتير العام للأمم المتحدة في منتصف ابريل الماضي، والذي قال فيه إن المغرب وجبهة البوليساريو لا يزالان أبعد ما يكونان فيما يخص تسوية نزاع الصحراء الغربية، وأن استئناف المباحثات المتعثرة بين المغرب وجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية، يحتاج إلى إعداد جيد، ذلك أن المشاورات التي جرت حتى الآن تبين أنها لم تحقق سوى تغيير محدود في المواقف، منذ الجولة الأخيرة من المحادثات في شهر مارس 2008.

والحاصل أن التفاؤل الذي بدا على روس وهو في بداية جولته في الجزائر، يرجع على الأرجح إلى أنه سمع هناك لغة مختلفة فيما يتعلق بالمسألة الصحراوية، وهذا الأمر لن يكون منقطع الصلة عن لغة جزائرية تتعلق بالعلاقات مع المغرب. ففي المرحلة التي تلت زيارة المبعوث الدولي في فبراير الماضي، شهدت هذه العلاقات تطورا رمزيا لكنه ذو دلالة بالغة، وهو فتح الحدود بين المغرب والجزائر بعد إغلاق استمر 15 عاما، لتسهيل مرور قافلة مساعدات بريطانية متوجهة لمساعدة أهالي غزة.

وبالطبع فان فتح الحدود المغلقة منذ عام 1994 لا يمكن أن يتم من دون اتصالات على مستويات عليا بين الطرفين، وهو الأمر الذي يفتح أبوابا للتفاؤل حول أن تتطور الاتصالات لتشمل قضايا خلافية أخرى فيما بينهم، سيكون من بينها بالطبع الخلاف حول الموقف من الصحراء بما يسهل مهمة الموفد الدولي، الذي يبدو أنه لاحظ من لقاءاته مع أركان الحكم في الجزائر أن هناك إمكانية للحوار والتوصل إلى صيغ مرضية، حول الصحراء، قد تظهر بعد الاجتماعات غير الرسمية بين المغرب وبوليساريو.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com