كان نجاح الصهيونية في إقامة كيانها السياسي إسرائيل في منتصف القرن الماضي، إيذاناً باندلاع صراع مرير أدمى وجه فلسطين والمنطقة العربية، وأسس لعملية تخريبية كانت وما زالت مصدر إيذاء لعلاقات الشرق بالغرب والشمال بالجنوب. وفي لحظات بعينها كادت هذه العملية أن تتسبب في حرب عالمية، ولا ضمانة لئلا تحدث كارثة من هذا القبيل ذات حين أو آخر في المستقبل.

علي أن ما ينبغي ملاحظته أيضاً أن هذا المشروع فشل في تحقيق هدفه الدعائي الأكبر، وهو حل ما تسمي بالمشكلة اليهودية. ولا أدل على ذلك من أن ثلثي يهود العالم، الذين لم ينتقلوا للإقامة في إسرائيل، ما زالوا حتي اليوم يواجهون السؤال المحير المتعلق بالمفاضلة التاريخية بين بقائهم حيث هم في مواطنهم، وبين الهجرة إليها!.

آخر نماذج هذه الحيرة يتعلق بالاتجاهات التي تنازعت 16 يهودياً يمنياً بين يدي محاولة استقطابهم وتغيير مجرى حيواتهم. فهذا العدد المحدود يشكل ثلاثة أسر تعرضت لثلاثة عروض مختلفة التداعيات بالنسبة لمصيرهم.. كان العرض الأول من الدولة اليمنية التي استمسكت بوجودهم كمواطنين أقحاح فيها، مع توفير أقصي درجات الحماية مما يقال عن خطر يتهددهم من متطرفين في البلاد.

وكان العرض الثاني من جماعة يهودية مناهضة للصهيونية تدعى «ساتمير»؛ تعمل في الولايات المتحدة وتري أن وجود إسرائيل الآن ضد الإرادة الإلهية، وأن تهجير يهود اليمن إلى أميركا تحت رعايتها، كفيل بإبعاد شرور الصهيونية عنهم.

أما ثالث العروض فكان من الوكالة اليهودية لتهريبهم إلي إسرائيل. وهو البديل الذي كتب له النجاح.

على ضفاف هذه القضية تثور أسئلة ذات دلالة.. منها: ألا تعد سلوكيات إسرائيل الإجرامية مسؤولة عن إشاعة ردود أفعال متطرفة، وبالطبع غبية، ضد يهود اليمن أو غير اليمن؟ كيف يمكن لبعض الناس تمييز الفارق بين يهود العالم وبين إسرائيل، طالما أن الأخيرة تدعي تمثيلهم والتحدث باسمهم؟ ما الضمانة لعدم تكرار التصرفات الغاضبة ضد اليهود في أي مكان، بناء على التكييف والحيثيات التي جرت مع يهود اليمن؟

وقبل ذلك وبعده، ألم يكن من الممكن للنضال الديمقراطي في عالم الغرب أن يؤدى إلى زوال المشكلة اليهودية هناك؟.. وعليه، لماذا رفضت الصهيونية مثل هذا النضال بالنسبة ليهود العالم في دولهم الأم، وذهبت للحل الانفصالي العنصري الذي أضر باليهود وبغيرهم على حد سواء؟!.

mohamedalazzar@hotmail.com