الخلافات الهندية الباكستانية زجت بالدولتين في تبادل التهديدات وبضع مناوشات ومعارك دامية، ثم دفعتهما إلى سباق تسلح ربما كان الأشهر إقليمياً على المستوى العالمي. ولم تكن السياسة الأميركية يوماً بعيدة عما يجري في شبه القارة الهندية، وهي أنذرت الدولتين بعقوبات إن هما خرقتا حظر انتشار السلاح النووي. في هذا الإطار، صدقت التوقعات الأميركية في جانب وخابت في جانب. فمن ناحية بلغ سباق التسلح بين الهند وباكستان ذروته بحيازتهما للسلاح النووي ووسائط حمله وتفعيله.
غير أن واشنطن وحلفاءها فشلوا في إثناء الدولتين عن مشروعيهما، والأهم أنهم نكصوا عن تهديداتهم العقابية بحقهما. واليوم، استقرت الدولتان في النادي النووي، وطوت واشنطن حديث الإنذارات وباتت علاقتها بهما حسنة وربما ممتازة. بالتوازي والتزامن، نلاحظ الإصرار الأميركي على رفض المشروع النووي الكوري الشمالي ومطاردته.
نستبعد هنا نظرية فرض الأمر الواقع بإنجاز القنبلة النووية كسبب لتحول السياسة الأميركية، أو الدولية بعامة، من الرفض إلى القبول. ذلك أن بيونج يانج فجرت قنبلتها الأولى بالفعل منذ 2006، وطورت الصواريخ القادرة على حمل هذه القنبلة إلى مناطق بعيدة.
لكن واشنطن مازالت عند موقفها لتفكيك المشروع الكوري حتى إن كلفها ذلك تقديم حوافز وإغراءات اقتصادية ومالية، والمساهمة في تحويل هذا المشروع للاستخدامات السلمية. مروحة التأمل تثير الافتراض القائل ان المشروع الكوري يقع في أيدي نظام دكتاتوري شيوعي مازال يستعصي على التغيير، بيد أن تفسيراً كهذا يعني أن واشنطن تأبى استحواذ غير الديمقراطيين على السلاح النووي الجبار. وهو احتمال ضعيف لأن هناك قوى ليست ديمقراطية ولا رأسمالية بالكامل كالصين، تملك هذا السلاح تحت السمع والبصر الأميركيين.
التفسير الأقوى حظاً بالخصوص، هو أن الولايات المتحدة تخشى من تفاقم ردود أفعال حلفائها في جنوب شرق آسيا.. كأن تفكر اليابان أو كوريا الجنوبية في مجاراة كوريا الشمالية والدخول معها في سباق تسلح، هما قادرتان عليه مادياً وتقنياً.
فإن حدث ذلك ضمرت الحاجة للحماية الأميركية وفقدت واشنطن مواطئ أقدام استراتيجية لها هناك. وللعلم، هناك ساسة يابانيون بدأوا يمتعضون من موقف بلادهم التقليدي النابذ لتصنيع السلاح النووي، ويدعو للتخلي عنه إذا اضطرها الجوار الإقليمي إلى ذلك. صحيح أن هؤلاء ما زالوا قلة، لكن من يضمن لواشنطن عدم تكاثرهم وسيطرتهم على العقيدة السياسية اليابانية، إذا ما تطور خطر بيونج يانج على الجوار؟!
كاتب واكاديمي فلسطيني