الفرق بين الأفراد والدول هو كالتالي:
ـ يقوم الفرد بالتخطيط لجريمة ما وتنظيمها ثم تنفيذها من قبله أو بالتعاون مع آخرين.. يتم ضبطه أو ضبطهم ويحقق معه أو معهم ويتم إعدامه أو إعدامهم جميعا. وقد تكون الضحية في معظم الحالات فردا واحدا لا أكثر.
ـ تقوم الدول منفردة أو مع مجموعة أخرى، بالتخطيط لجريمة ما وتنظيمها ثم تنفيذها. وتكون الضحية أحيانا بمئات الألوف من البشر الأبرياء. ولا يجرؤ أحد على إيقاف هذه الدولة ولا حتى توجيه أصابع الاتهام إلى رئيسها. وتكون المصيبة أعظم عندما تكون هناك عدة دول مشتركة في الجريمة. وأعظم بكثير عندما تكون دولة عظمى، حيث تصبح جميع أعمالها شرعية وفق شريعة الأقوى.
النقطة الأخرى التي لا يشترك فيها الفرد مع الدول في ارتكاب الجرائم، هي أنه بعد القبض على الجاني يتم نشر اسمه وجريمته في اليوم التالي في الصحف المحلية أو العالمية، ويصبح ملفه بين يدي كل من يرغب في الرجوع إليه. بينما جرائم الدول (خاصة الكبرى) تبقى ملفاتها سرية ولا تنشر إلا بعد مرور خمسين عاما. هذا إذا نشرت.
نحن غير معنيين بملفات الأفراد والجرائم المدنية. نحن معنيون بجرائم الدول وعلى الخصوص الدول الكبرى، ولا نفهم لماذا لا تكشف ملفاتها وملفات مخابراتها إلا بعد هذه المدة الطويلة وبعد أن تضيع حقوق الضحايا؟ ولو قدر أن يكتشف العلماء كما اكتشفوا الحاسبات الآلية والانترنت والشرائح الذكية، أن يخترعوا جهازا يكشف فضائح الدول (جرائم الحرب وأعمال المخابرات والأحداث الغامضة ومن يقف وراءها) منذ بداية الحرب العالمية الأولى إلى اليوم، لتغير التاريخ رأسا على عقب.
فعلى سبيل المثال، نشرت جريدة اللوموند الفرنسية قبل أيام على موقعها الالكتروني، خبرا منقولا عن ميديا بارت يفيد بأن رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوار بلادور (بين عامي 1993 و1995 في ولاية الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران) قد يكون تورط في فضيحة عمولات متعلقة بصفقة بيع الغواصات إلى باكستان. ويبدو أن هذه العمولات استخدمت في الاعتداءات التفجيرية التي ضربت كراتشي في 8 مايو 2002 وأودت بحياة 14 شخصا بينهم 11 فرنسيا كانوا يعملون لصالح مديرية بناء السفن الفرنسية.
القضية ليست هنا، فمثل هذه «البخاشيش» تمارس بشكل واسع من قبل الدول، ومنها الدول الديمقراطية الكبرى، ولا توجد صفقة إلا وخلفها عمولة. لكن المحزن في فضائح الدول الكبرى هو في كيفية إلقاء وإلصاق التهم فيما بعد ولأي جريمة تقترف من قبلهم، على الدول أو المنظمات الصغيرة. فقد ألقيت التهمة في تلك العملية الدموية في كراتشي على منظمة القاعدة، بحجة أنها كانت ترمي إلى تعطيل المصالح الفرنسية في دولة مسلمة مثل الباكستان. واليوم كشفت التحقيقات (على يد مخبرين فرنسيين) عن أن الجريمة التي أودت بأبناء جلدتهم الأحد عشر، لم تكن سوى عملية تصفية حسابات وضغوط متعلقة بصفقة بيع فرنسا لباكستان للغواصات المذكورة، بعد أن توقفت فرنسا عن دفع العمولة المتفق عليها، وبالتالي ليس للقاعدة ولا للحركات الإسلامية أي دور فيها.. وما هنالك من تفاصيل ليس هنا مكان ذكرها.
هذه المسألة تجعلنا نفكر كم من الجرائم ارتكبت من قبل الدول الكبرى ودفعت ثمنها الدول النامية أو الفقيرة؟!
العالم يريد أن يعرف بالتفصيل وبالوثائق من كان خطط أو وقف وراء:
ـ مقتل جون فيتزجيرالد كيندي؟
ـ تحديد رقم 6 ملايين يهودي أعدموا من قبل النازيين؟
ـ وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات؟
ـ اختفاء السيد موسى الصدر؟
ـ تفجير طائرة بان آم الأمريكية على مدينة لوكربي؟
ـ أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟
ـ غزو الكويت؟
ـ مؤامرة احتلال العراق؟
ـ اغتيال رفيق الحريري، ومجموعة أخرى من سياسيي وصحافيي لبنان؟
ـ أحداث نهر البارد؟
ـ العمليات الانتحارية التي تهز باكستان منذ فترة طويلة؟
ـ أعمال الشغب التي ضربت إيران بعد إعلان نتائج الانتخابات؟
ـ إلخ.. إلخ...
وغيرها من العمليات التي تراوحت بين العمولات المدفوعة بالدولار واليورو، وغسيل الأموال، والاغتيال السياسي، وجرائم الحرب.. قائمة تطول ولا تقصر...
فهل هناك دولة تملك الشجاعة الكافية لتسليم وثائق مخابراتها للتحقيق؟
بالطبع، كلا. على أحفادنا في هذه الحالة، الانتظار لمدة خمسين عاما حتى يتسنى لهم أن يعرفوا الحقيقة الكاملة، وقد لا يتسنى لهم حيث باتت بعض الدول تعمل على تدمير ملفاتها السرية الخطيرة لكي تتجنب مطالبتها بتعويضات مستقبلية كما حصل مع ألمانيا من قبل اليهود.
القضية التي بدأنا بها المقالة عن رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار بالادور، وهي قضية على مستوى حكومة دولة بوزن «فرنسا»، مثلها كمثل العمليات السرية الأخرى، ترتبط بسيناريوهات متعددة متشابكة ومعقدة، وشبكات لا ترى بالعين المجردة، وأسماء شخصيات تعمل في الظلام في مجال تسويق وتجارة السلاح، وأرقام خيالية تودع هنا وتستلم هناك، وتدفع من قبل هذا الطرف وتستفيد منها مجموعات، فيما يشبه أعمال المافيا ولكن على مستوى الدول..
وفي النهاية تتهم فيها دول لا ناقة لها فيها ولا جمل.
جامعة الإمارات