قد تكون نوايا الرئيس الأميركي أوباما تجاه روسيا جيدة وحسنة بشكل عام، ولكن في العلاقات بين موسكو وواشنطن عادة ما تكون نوايا الرؤساء ليست ذات الأهمية الكبيرة، وقد سرى هذا العرف منذ زمن بعيد في عهد الزعيم السوفييتي خروشوف والرئيس الأميركي جون كنيدي، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث أبدى الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين منتهى حسن النية مع واشنطن، وكانت النتيجة قصف حلف شمال الأطلسي للبلقان وتوسعاته تجاه الشرق على الحدود الروسية وضم دول أوروبا الاشتراكية السابقة كلها في الحلف، وأشياء أخرى كثيرة أثبتت أن حسن نية الرئيس يلتسين كانت خطأ كبيرا دفعت روسيا ثمنا باهظا بسببه.
الآن ينوي الرئيس أوباما فتح صفحة جديدة مع روسيا، ولديه إمكانيات كثيرة، ومن أهمها تأييد معظم الدول الأوروبية الكبيرة لمساعي الحوار والتفاهم مع روسيا، ولكن هذا كله لا يكفي، فهناك مازال في واشنطن من تسيطر عليه أفكار الحرب الباردة ويتعامل مع روسيا على أنها عدو الأمس واليوم وغدا.
ترى ماذا في جعبة الرئيس الأميركي باراك أوباما حينما سيصل إلى موسكو في 6 يوليو للقاء نظيره الروسي دميتري ميدفيديف؟
لقد قال مسؤول في البيت الأبيض إن المطلوب ـ حتى تكون الزيارة ناجحة ـ توقيع ما لا يقل عن عشر اتفاقيات مع الروس، ولكن هذا الأمر ربما ينجح بين أية دولتين أخرتين، ماعدا روسيا والولايات المتحدة الأميركية اللتان تحتاجان لجهود ومباحثات طويلة لتوقيع أبسط الاتفاقات، حتى لو كان اتفاق تعاون علمي.
وهناك ـ والحق يقال ـ عقبات قد تمنع تحقيق مثل هذا النجاح من بينها أن واشنطن تشترط للتوصل إلى اتفاق يرضي موسكو لمواصلة تخفيض ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا من الأسلحة الإستراتيجية، تخلي روسيا عن التعاون مع إيران. وتشترط روسيا للموافقة على عقد اتفاق من هذا القبيل تخلي واشنطن عن خطط نشر عناصر منظومتها الصاروخية الدفاعية في أوروبا.
وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» في مارس الماضي بأن الرئيس أوباما بعث برسالة «سرية» إلى الرئيس ميدفيديف لمّح فيها إلى أن واشنطن قد تتخلى عن إنشاء درع صاروخي في أوروبا إذا ساعدت روسيا بلاده على إيقاف إيران عن صنع السلاح الإستراتيجي.
ولم تتوقع واشنطن أي فوز لمرشح المعارضة الإيرانية مير حسين موسوي بالانتخابات الرئاسية الإيرانية. غير أن مظاهرات الاحتجاج على النتائج المعلنة التي أعلنت فوز الرئيس أحمدي نجاد والتي نظمتها المعارضة الإيرانية وفرت لأميركا فرصة هامة لممارسة الضغط على نظام الحكم الإيراني.
ولا يمكن التكهن بتطورات الوضع في إيران ولكن يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة لن تضيع هذه الفرصة. ومن الممكن أن تستغني واشنطن عن المساعدة الدولية عامة والمساعدة الروسية خاصة لأن عملية (تغيير النظام الإيراني) كانت قد انطلقت.
وقد لا تطلب الولايات المتحدة من روسيا شيئا والحالة هذه. أما إذا طلبت الإدارة الأميركية من المجتمع الدولي أن يشدد ضغطه على إيران ويفرض عقوبات جديدة فسوف تواجه روسيا اختيارا صعبا. وقد قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في إحدى جلسات الاستماع في الكونغرس في أبريل الماضي إنه في موازاة الحوار مع إيران يستمر العمل في «إعداد القاعدة لعقوبات شديدة جدا».
ومن المتوقع أن يُطلب من روسيا أن تؤيد هذه العقوبات في حين لا يصب تشديد الضغط على إيران في مصلحة روسيا. وإذا لم تساعد موسكو واشنطن على تشديد العقوبات بحق طهران فقد يكشف المتشددون الأميركيون أمام روسيا عن وجههم الحقيقي، وجه «الصقر». وستجد روسيا نفسها في فخ في كلتا الحالتين.
ولكي تتجنب روسيا الوقوع في فخ يمكنها، مثلا، أن تقترح أن يخضع برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم للمزيد من عمليات التفتيش للتحقق من تلبية إيران لشروط اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية.
ويتماشى اقتراح كهذا مع نية الواقعيين الأميركيين المعلنة لحل القضايا الدولية عبر المباحثات المتعددة الأطراف وبالطريقة السلمية.
كاتب روسي