إن اختيار عاصمة الإمارات أبوظبي مقرا دائما للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا)، يعكس تقديرا عالميا لدولة الإمارات العربية المتحدة ولجهودها في مجالات استشراف موارد للطاقة المتجددة ونشر استخدامها، كما أن إصدار قرار في المؤتمر الدولي الذي انعقد أواخر يونيو في مدينة شرم الشيخ بمشاركة 129 دولة تضمن إعلان مدينة أبوظبي مقرا دائما لهذه الوكالة، يعتبر نجاحا لدبلوماسية الإمارات ونهجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وعلى كافة الأصعدة، فهي تحتل موقعا استراتيجيا يربط شرق العالم بغربه، وما تحقق من نهضة تنموية في الإمارات يجعلها بحق جديرة باستضافة المقرات الدائمة للعديد من المنظمات الدولية، وليس فقط الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا).

وسيجد الخبراء الذين سيعملون في الوكالة أنهم في بلد يوجد فيه العديد من الأجناس، حيث تقدم الإمارات نموذجا لتعايشهم بانسجام على أرضها. إن توقيع 15 دولة في مقدمتها الولايات المتحدة واليابان واستراليا على وثيقة تأسيس الوكالة، يرفع عدد الدول التي انضمت لعضوية الوكالة إلى 129 دولة، مما يعكس الاهتمام العالمي غير المسبوق لقضية تأمين موارد الطاقة وتوسيع نطاق انتشار مصادر هذه الطاقة واستخدامها.

لقد أطلق المؤرخون على عصرنا الراهن انه عصر وقود الحفريات بالاستخدام الواسع لوقود الكربوهيدرات، من نفط وغاز، إلا أن هذا الوقود محدود الموارد ومصدر للطاقة قابل للنضوب، ومن هنا تكمن أهمية تامين موارد للطاقة المتجددة.

إن قضية تأمين موارد للطاقة المتجددة تصبح اليوم أكثر إلحاحا من اجل استقرار الأسواق العالمية، مما يجعلها قضية اقتصادية بامتياز. ولا يقل عن ذلك أهمية موضوع نقل التكنولوجيا المتقدمة وجعلها متوافرة للدول النامية إلى جانب الدول المتقدمة، في سبيل انتشار مصادر الطاقة المتجددة واستخداماتها.

ويتطلع العالم قدما لتحديات ثورة التكنولوجيا في مجال الطاقة المتجددة وما ستحدثه من إعادة هيكل الاقتصاد العالمي في سبيل التنمية المستدامة كمبدأ أساسي يستند على الركائز الثلاث، الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في سبيل خلق نماذج يحتذى بها في التنمية المستدامة.

إن التغيرات المناخية وتزايد الاحتباس الحراري تمثل تحديا يستوجب استحداث استراتيجيات فاعلة وتنسيقا شاملا وطموحا عالميا، للتعامل مع التغيرات المناخية التي تأثرت كثيرا باستخدام وقود الحفريات بشكل واسع كمصدر للطاقة.

ولقد بذل العالم جهودا منذ وقت بهذا الشأن، منطلقا من بروتوكول كيوتو الذي يمثل معاهدة دولية مهمة للأمم المتحدة والمتعلق بالتغيرات المناخية، كما تبع ذلك آليات التنمية النظيفة (CDM) التي أقرت في مؤتمر بالي باندونيسيا، وتطبيقاته في سبيل إعادة التوازن المناخي في المعمورة، وذلك من خلال تطوير التكنولوجيا التي من شأنها أن تسهم بشكل أوسع في تأمين موارد للطاقة المتجددة والمستدامة.

ويحدونا الأمل في هذا الظرف الراهن للعمل «لإقامة نظام عالمي جديد للطاقة»، من خلال الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) التي تخطط للانتقال من الطاقة التقليدية إلى البدائل، مثل الطاقة البيولوجية والطاقة النووية أو الطاقة الهيدروجينية أو غيرها، مما سيثبت فاعليتها كمصادر للطاقة تخدم المجتمع الدولي وتحمي الكون وتؤمن التنمية المستدامة لعقود من الزمن مستقبلا. إن التنمية التكنولوجية الجديدة يمكن أن توفر موارد متجددة للطاقة النظيفة والرخيصة يعتمد عليها، وذلك أمر في غاية الأهمية.

إننا أمام واقعنا الكوني الراهن نحتاج للعمل المشترك وعلى أرضية واحدة، لاستكشاف وتأمين موارد للطاقة البديلة، مما يضع مسؤولية كبيرة على الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا)، والتي من شروط نجاحها توفير التعاون الدولي الوثيق للدول والقطاعات غير الحكومية بما فيها القطاع الخاص، لتطوير تكنولوجيا الطاقة المتجددة على أوسع نطاق وبأسرع ما يمكن.

إن تامين موارد الطاقة المتجددة يشكل أساسا ماديا لحياتنا واستمرارا للحضارة الإنسانية. وفي الظرف الراهن للازمة الاقتصادية والمالية يتوجب على الأسرة الدولية كواجب أخلاقي أن تؤمن مستقبلا أفضل للبشرية، وذلك لن يتأتى إلا بتأمين موارد للطاقة المتجددة، وجعل هذه القضية على رأس جدول أعمال الأسرة الدولية. إننا نحتاج للممارسة الفعلية الآن بتأمين موارد للطاقة المتجددة من خلال توجيه مزيد من الاستثمارات في سبيل هذه القضية، وذلك عبر شراكة عالمية واسعة.

لقد تأسست الوكالة الدولية للطاقة المتجددة في 8 يناير الماضي، واليوم اختيرت العاصمة الإماراتية مقرا دائما لها. وباعتزام الإمارات استضافة مقر الوكالة في مدينة «مصدر»، وهي مشروع يهدف إلى إقامة مدينة متعادلة الكاربونين والتي ستستكمل بحلول عام 2011، لأمر يبعث على الأمل.

إن وكالة الطاقة المتجددة (إيرينا) من خلال مقرها هذا، ستعمل على سد الفجوة في مجال نشر استخدام الطاقة المتجددة وإيجاد مشاركة وتعاون بين الدول من خلال التكنولوجيا الجديدة في هذا المجال، لمواجهة التحولات المناخية ومواجهة الانحباس الحراري من خلال الطاقة النظيفة.

إن هناك تقنيات قوية تحتاج إلى الاندماج في السوق، ووكالة الطاقة المتجددة (إيرينا) في عملها المستقبلي، حتما ستسعى لدعم جهود توسيع نطاق انتشار مصادر الطاقة المتجددة واستخداماتها.

كاتب يمني

a_wahishi@yahoo.com