حين يهمّ أحدنا بمغادرة منزله لا يخطر في ذهنه وهو يقفل بابه أنه يضع هذا القفل ليحول دون دخول أحد للمنزل أثناء غيابه بهدف السرقة أو العبث، لأننا في بلد آمن لم نعتد على سماع أخبار كهذه إلى الحد الذي يجعلنا نفكر بهذه الطريقة، وحتى وقت قريب لم نكن نهتم بقفل الباب لأن بيوتنا كانت مفتوحة للجميع، ونشعر أن مساحة بيتنا تمتد لتشمل بيوت الحارة كلها. إن معظمنا يغلق أبواب منزله الآن من باب (أمّن دارك..)، و لا شيء غير ذلك، ويوصف الشخص الذي يفكر في إغلاق الأبواب خوفًا من لصوص يتسللون إلى منزله، ويهتكون حرمته في غيابه بأنه شخص موسوس.

ولكن يبدو أن ذاك زمان ولى ومضى دون أن نشعر، فقد شاءت الأقدار أن تتوالى أخبار السرقات على مسامعنا ـ نحن المواطنين العاديين ـ في فترات متقاربة، على نحو يجعلنا نفكر بالفعل: هل تغير الزمان، أو تغير الناس، أو هناك شيء آخر تغير!

كيف يمكن أن يدخل شخص منزل شخص آخر، ويحمل معه كل ما يمكن أن تحمله قواه الجسدية والنفسية، دون أن يخشى حساباً أو عقاباً؟ إنه لا شك بلغ من الإحساس بالأمان والطمأنينة من عدم قدرة الجهة المسئولة عن الإمساك به، أو ربما من عدم اهتمام هذه الجهة بالإمساك به، للدرجة التي جعلته يدخل أحد البيوت، ويسرق الخزنة ذاتها، يحملها ويخرج بها من باب المنزل الذي كسره في غفلة من الوقت، دون أن يخشى أحدًا أو شيئًا، ومعه حق، لأنه حتى هذه اللحظة، وبعد مرور ما يقترب من الشهر على هذا الحادث لم يُقبض عليه، بل إن الجهة المسئولة لم تكلف نفسها حتى عناء الاتصال ـ ولو مرة واحدة ـ بأصحاب البيت المسروق كي تطمئنهم بأن عمليات البحث جارية، وأن المجرم سيمثل بين يدي العدالة في أقرب وقت، وستُتخذ بحقه الإجراءات اللازمة.

كل الذي قاله شخص مسئول من هذه الجهة هو أن السرقة تحدث (على الجرار) في تلك المنطقة ومنطقة أخرى مجاورة لها ـ وهما من المناطق السكنية الراقية في الإمارة التي حدثت فيها السرقة ـ !!

لا أعرف كيف يمكن أن يصدر مثل هذا الكلام عن شخص يعمل في جهة مسئولة عن أمن الناس والبلاد؟ كلامه ينقلب عليه أكثر مما يبرئه، إذ كان يشير بذلك إلى تقصير أصحاب المنزل الذين لم يضعوا حارسًا يحرس المنزل في غيابهم، ولكنه لم ينتبه إلى تقصيره هو من موقعه الذي يجعله في خدمة المجتمع.

وإذا كانت عمليات السرقة في هاتين المنطقتين من الأمور المسلم بها، التي لا يفاجأ الموظفون والمسؤولون في تلك الجهة حين يقدم أحد بلاغًا بذلك، فما دور هؤلاء المسؤولين في صد هذه الظاهرة ومنعها من الحدوث، أو تقليل نسبة حدوثها؟

ما دور هذه الجهة في إشاعة الأمن بين أفراد مجتمع أصبح يسمع أخبار حوادث السرقة كما يسمع أخبار حوادث السيارات، وما أكثرها! وما دورها في خدمة المجتمع إن أصبح أحدنا لا يأمن على أغراضه الشخصية داخل بيته، وأصبح كل شيء سواء غلا سعره أو رخص محط أنظار أصحاب النفوس الرديئة، دون أن يجدوا قوة تردعهم!

المضحك المبكي هو أن هؤلاء السارقين سرقوا منزلا آخر مجاورا في اليوم ذاته، وبالطريقة نفسها، وأخذوا كل ما استطاعت أن تصل إليه أيديهم القذرة.. آمنين مطمئنين، يعرفون أن لديهم الوقت الكافي لسرقة كل ما يقع في متناول أعينهم وأيديهم، وأن أحدًا لن يقبض عليهم؛ فلو كانوا يشعرون بأن هناك من سيلاحقهم بجدية، ويقبض عليهم، ويذيقهم جزاءهم كاملا غير منقوص، لما استجابوا لنفسهم الأمارة بالسوء وانتهكوا حرمة منزل لا يحق لهم دخوله وأصحابه فيه، فكيف بهم يدخلونه وأصحابه غير موجودين.. بدافع السرقة.

هناك شيء خاطئ في النظام المسؤول عن مثل هذه الأمور، علينا معرفته ثم تصحيحه، لأن السرقات أصبحت الآن تحدث في وضح النهار، إذ أخبرتني إحداهن عن سرقة منزل شقيقتها في الوقت الذي غادرت فيه منزلها عند العاشرة صباحًا وعادت بعد حوالي ساعة واحدة فقط لتجد منزلها منهوبا وأغراضها مبعثرة، على الرغم من وجود شقيق زوجها نائمًا في البيت نفسه!، من يجرؤ على ذلك إلا وهو مطمئن تمام الاطمئنان إلى أنه خارج نطاق العقوبات؟

ومن يملك الشجاعة ليُقدم على فعل كهذا إن لم يكن آمنًا على نفسه وواثقًا من أن الجهة المسئولة عن ملاحقته ألقت أسلحتها وسلمت أمرها لله، مكتفية بقولها إن السرقات أصبحت كثيرة ولا مجال لملاحقة كل سارق!

إن تهاوننا في مثل هذه الأمور هو الذي يجعلها تتفاقم، ويجعل عدد الراغبين في ممارستها متزايدًا، خصوصًا مع هذا الخليط المجتمعي الذي نعيش فيه.

وقد لاحظت مثل هذا الخطأ في بعض النظم -الذي يشجع على التمادي في بعض السلوكيات حتى تصبح ظاهرة- فيما يتعلق بالمضايقات المرورية التي نتعرض لها بين حين وآخر، فالاتصال على الجهة المسئولة بهدف الشكوى لا يفيد، إذ يطالبك من يجيب على الهاتف بالتوجه إلى أقرب مركز لتقديم الشكوى، لأن مثل هذه الشكاوى لا تؤخذ بالهاتف.

وهذا الشخص نفسه يعرف أنه لا يوجد أحد منا سيترك وجهته التي هو متجه إليها للحاق بموعد اجتماع مهم، أو بطائرة، أو غير ذلك كي يذهب ليتقدم بشكوى، فهذا تضييع لوقت لا يملكه حينها، ومع ذلك فإنه يصرّ على موقفه لأن هذه هي القوانين!

والشخص الذي يقوم بالمضايقة والمعاكسة يعرف أن أحدًا لن يجيب على شكوى الذين يضايقهم لأنه يعرف القوانين، فيسمح لنفسه بالتمادي في أفعاله السيئة، ويربك السائق أو السائقة، ويكدر عليه طريقه الذي قد يطول أحيانا في الطرق الخارجية، وهو مطمئن من عدم وقوع أي عقوبة عليه.

أين الخطأ الآن؟ هذا هو السؤال المهم.. فإذا كانت نفوس الناس قد تغيرت، وأصبحت السلوكيات الخاطئة شائعة بينهم دون حرج، فهل من الطبيعي أن نحتفظ بقوانين ربما كانت صالحة قبل زمن، حين كانت وسائلنا في مواجهة مثل هذه السلوكيات أقل كفاءة، في حين نقف على أعتاب عقد جديد من الألفية الثالثة، في بلد يقفز قفزات كبيرة في معظم المجالات الرئيسية، والخيارات المتاحة للخروج من عباءة الروتين متوافرة ومتاحة؟

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com