على أعتاب القمة الروسية ـ الأميركية، وخلال الأسابيع الماضية خاطب كل من الرئيسين أوباما ومدفيديف العالم العربي، وقدم كل منهما رؤيته السياسية لتسوية أزمات الشرق الأوسط، وبالرغم من أن الكرملين في أن يكون خطاب مدفيديف جاء كرد فعل على خطاب أوباما باعتبار أن زيارة الرئيس الروسي قد تم الاتفاق على برنامجها قبل أن يتخذ أوباما قراره بتوجيه خطاب للعالم الإسلامي من القاهرة، إلا أن كلمات مدفيديف في مقر جامعة الدول العربية بالعاصمة المصرية حملت ردود روسيا إلى الإدارة الأميركية الجديدة.

وقد عكس الخطابان نقاط التقاء جديدة بين توجهات موسكو وواشنطن في سبل تسوية الأزمة الشرق أوسطية، فالجانبان يرفضان سياسة إسرائيل الاستيطانية، ويريان فيها عقبة أمام مسيرة التسوية السلمية، وقد أعلن الرئيسان عن أن بلديهما يدعمان حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولته المستقلة ذات السيادة، والتي يحق لها العيش في أمن وسلام مع جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل، كما دعت موسكو وواشنطن إلى وحدة الصف الفلسطيني على قاعدة الالتزام بالاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقاً والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

واعتبر مدفيديف أن خطاب أوباما يحمل جوانب إيجابية ومهمة تكشف عن إدراك واشنطن لما يجري في العالم وضرورة السير على النهج القائم على احترام سيادة الدول والنظام العالمي، ما يطرح إمكانات جديدة للتقارب بين مساعي مختلف أطراف المجتمع الدولي لتسوية الأزمة.

ولكن هذا التفاؤل لا يجب أن يعمي بصيرتنا، عن نقاط الخلاف.. حيث مازالت رؤية واشنطن لدور روسيا في التسوية الشرق أوسطية غير واضحة المعالم، وما زال غير واضح هل سيواصل أوباما سياسات سلفه في فرض الاحتكار الأميركي، أم انه سيحترم دور روسيا ويتعاون معها كراع للسلام في المنطقة، وأحد أبرز المشاركين في رباعي الوسطاء الدولي؟

ومازال الموقف الأميركي غامضاً فيما يخص صلاحيات وسيادة الدولة الفلسطينية، وهل تتفق واشنطن مع الصورة التي رسمها رئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو في خطابه الأخير، أم أنها ترى الدولة الفلسطينية مستقلة وذات سيادة بما يتطلبه ذلك من عناصر ومقومات سياسية واقتصادية؟ كما أن مصير القدس في هذا الخلاف مازال مجهولاً، وهل ستعترف واشنطن بحق الفلسطينيين في أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم، أم أنها ترفض تماماً إدخال القدس ومصيرها في عملية التسوية السلمية؟

بعبارة أخرى هناك أسئلة وملفات أساسية وجوهرية مازالت في انتظار التوصل لموقف ورؤية واضحة من جانب الأطراف التي ترعى مسيرة التسوية السلمية، ولا يعتقد أن وجهتي نظر موسكو وواشنطن ستكون متطابقتين في معظم هذه القضايا.

روسيا من خلال خطاب مدفيديف في القاهرة لم تقدم موقفاً جديداً وإنما اقتصرت على التأكيد على مواقفها الثابتة بدءاً من ضرورة التوصل لتسوية سلمية تضمن حقوق الشعب الفلسطيني في إقامته دولته المستقلة على ترابه الوطني على أن تكون عاصمتها القدس الشرقية، مروراً بإدانة سياسة الاستيطان الإسرائيلية، وانتهاءً بالدعوة لرأب الصدع الفلسطيني، والعمل على توحيد الصف الفلسطيني على قاعدة الالتزام بالاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقاً والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

أما واشنطن فمازالت تتحدث في العموميات، وان كان الحديث يحمل منحى إيجابياً، ويصعب القول ان الملف الشرق أوسطي سيكون أحد محاور قمة أوباما ـ مدفيديف، ليس فقط لأن المحاور الأساسية تتركز على الأمن العالمي، والأزمة المالية وأمن الطاقة، وإنما أيضاً لأن البيت العربي مازال غير مرتب من الداخل، ومازال الخلاف الفلسطيني- الفلسطيني قائماً يمنح الأطراف الأخرى أوراقاً لترحيل هذا الملف لذيل القائمة، ومازالت المواقف العربية متباينة بدرجة أو بأخرى.

إن طرح ملف الشرق الأوسط في أولويات القمة الأميركية- الروسية، يتطلب بالدرجة الأولى دوراً عربياً فعالاً يسعى لتسوية أزمات المنطقة، ولعل الظرف الحالي والناجم عن تغيرات توجهات الإدارة الأميركية، التي بدأت عهدها بالالتفات إلى المنطقة يمكن أن يحفز الجانب العربي على التحرك بشكل أكثر تأثيراً وجرأة في طرح مواقفه وسياساته.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru