تضم إفريقيا ثلثي العالم العربي تقريباً من حيث السكان والمساحة الجغرافية. أي ان أغلبية هذا العالم إفريقية وأقليته آسيوية. لكن معظم تفاعلاته التاريخية واحتكاكاته الخارجية، العنفية بالذات، كانت ومازالت مع أوروبا والغرب.
من آسيا هبت موجة غازية كاسحة كبرى واحدة تنسب إلى المغول. وقد كسرها العرب عسكرياً في عين جالوت ثم استوعبوا بقاياها وامتصوها حضارياً. وباستثناء مرحلة الغزو المغولي، تحظى آسيا بتاريخ مشرق عربياً. أما إفريقيا فليس في سيرة شعوبها ما يشين تاريخها مع العرب؛ الذين يقدر عددهم بثلث سكان القارة.
بالنسبة لأوروبا نجد قصة مختلفة تماماً قياساً بعلاقات العرب مع القارات القديمة.. فمنها استقبل العرب أكبر الغزوات والتجارب الاستعمارية وأطولها أجلاً وتأثيراً وأكثرها تنوعاً بين الاستعمارين الاستغلالي والاستيطاني.
حدث هذا منذ ما قبل الميلاد والتاريخ المكتوب. وعندما جرت الفتوحات العربية الإسلامية، كانت ألف سنة قد مرت على السيطرة اليونانية فالرومانية لقلب العالم العربي، الشام ومصر. بالمنظور التاريخي الحضاري الشامل، يصح الاعتقاد بأن الأفارقة شاركوا العرب في السراء والضراء. وقد ظل الطرفان موضوعاً للسياسات والتفاعلات الأوروبية الدولية لحقب، تركت عليهما آثاراً وندوباً وبصمات محفورة في الواقع وفي الذاكرة.
خلال الألف عام الأخيرة، ناوش الغرب الأوروبي العرب وحاربهم واستعمرهم طويلاً. وهو فعل الشيء ذاته مع الأفارقة، لكنه أضاف إلى سلوكياته مع الأخيرين ظاهرة الاستبعاد والاسترقاق وشحن البشر إلى القارات الجديدة.
الاستعمار الأوروبي استنزف من العرب ثروات طائلة وأورثهم الفرقة والحدود المخطوطة علي الرمال ثم الخرائط والنظم والسياسات، واستزرع في أحشائهم كياناً استيطانيا عنصرياً مازال يدمي حياتهم ويقص مضاجعهم منذ أكثر من ستين عاماً. الرواية ذاتها تكررت في التعامل الأوروبي مع الأفارقة.
وربما كان الفارق في أن الأوروبيين لم يكتفوا هنا باستحلاب ثروات القارة المادية وإنما أفقدوها أثمن رجالها ونسائها وأقدرهم علي العطاء. ويذهب علماء الاجتماع وشراح التطور الإنساني إلى أنه لولا نقل زهاء مئة مليون إفريقي، مات معظمهم في عرض الأطلسي، إلى الأميركتين، لكان لأفريقيا شأن حضاري آخر غير التخلف الذي يغطي وجهها حالياً.
نقول هذا لنذكر قومنا العرب بأن لهم مع الأفارقة تاريخاً مشتركاً عميق الجذور، وأن بين الطرفين علاقة جوار ونسب ومصاهرة وعقيدة وتراث لغوي وحضاري.. وأن تعاونهما بالمعني الاستراتيجي، ربما مكنهما من إشباع كثير من حاجاتهما الأساسية. وقل مثل ذلك مع بعض التفاصيل المختلفة عن آفاق العلاقة مع الامتداد الآسيوي.
كاتب وأكاديمي فلسطيني