لماذا تسارع القوى الدولية النافذة ذات السطوة إلى التدخل في بعض المناطق والدول، بذريعة صيانة السلم والأمن الدوليين أو إقامة ميزان العدل وشرعة القانون؟، ولماذا تتلكأ القوى ذاتها وتتثاقل وتكتفي بإبداء القلق عن بعد، بالنسبة لحالات تستدعي جدلا ومواقف مشابهة في مناطق ودول أخرى؟!
ما هي المعايير التي ينتفض بناء عليها أقوياء المجتمع الدولي لدس أنوفهم عاجلاً في قضية خارجية بعينها، بينما يتركون النيران تأكل بعضها في قضايا تكاد تكون ذات مواصفات مماثلة؟.
لا يمكن أن يكون المعيار هو تعرض دولة أو كيان ما لاحتلال غاشم من جانب دولة أخرى. فعندما احتل نظام صدام حسين الكويت عام 1990 كانت ثلاثة وعشرون عاماً قد مرت على احتلال إسرائيل للضفة وغزة والجولان. لكن الكويت تحررت بقوة تحالف دولي قاده العملاق الأميركي خلال ستة شهور.. على حين مازالت إسرائيل تتمطى في المناطق التي احتلتها منذ 1967!.
وليس صحيحاً أن التدخل الفاعل ينطلق من التعاطف مع الشعوب الخاضعة للحروب الأهلية حيث الفوضى وأمراء الحرب وأخطار الإبادة والتمزق الاجتماعي والعوز الاقتصادي.. فلو كان هذا هو المعيار، لرأينا من تغلغلوا في قضية البوسنة ومن بعدها أفغانستان بكل ثقلهم العسكري والسياسي، فعلوا الشيء ذاته مع الحالة الصومالية التي صارت مهجورة تقريباً في أجنداتهم.. وهي التي لم تعد فيها مهنة موفقة إلا حفر القبور.
ومن السذاجة أن نحسن الظن إلى درجة مسايرة القائلين بأن استئصال النظم السلطوية والديكتاتورية وبسط الديمقراطية، هو المعيار أو المحدد للتدخل العاجل أو حتى الآجل. فثمة نماذج لهذه النظم لبثت عقوداً دون أن تطالها أيادي المتدخلين أو تطأها جيوشهم.. ولم يحدث أن هبت رياح الديمقراطية وحقوق الإنسان على البلاد التي تم غزوها تحت هذين الشعارين. وفي خطابه بجامعة القاهرة، استبعد الرئيس الأميركي أوباما فرض طبيعة النظم الحاكمة وتوجهاتها عنوة على الآخرين.
تقديرنا الذي يتسق مع السوابق ويُستقى منها أن المصالح الحيوية للقوى الدولية، إستراتيجية عسكرية كانت أم اقتصادية أم سياسية، وأحياناً فكرية عقيدية، هي المعيار الذي لا يعلى عليه لاتخاذ قرار التدخل الملموس من عدمه. وأنه كلما تصاعدت هواجس هذه القوى بأن مصالحها هذه مهددة في الحال أو الاستقبال، فضلت التدخل القوى العاجل والعكس بالعكس.
كاتب وأكاديمي فلسطيني