يوم استثنائي في حياة العراقيين، إخواننا وأهلنا الذين تحول وطنهم إلى جحيم، اليوم يقفلون بابه عليهم وحدهم، يسهرون على أمنه وأمانه، اليوم يفتح العراق بابه على الفرح وصفحته الجديدة التي ستكتب فوقها مخيلات أطفاله تاريخهم الحر.. هذا كم يدفع فينا الأمل في ان نعيشه جميعا.. ضاحكا، سعيدا، خاليا لا من شقاء ولا من بؤس، لا من نار ولا من دخان لا من ذئاب ولا من خفافيش ماكرة، بابا لا يفتح إلا على رقص الحرية وسفر أجنحتها. رقص أهله الذين آن لهم ان يستريحوا ويهدؤوا لا يفتح إلا على ارض خضراء كلها، حدودها إلى حدودها.. تعمل فيها معاول البناء وسواعد الوطنية وفرح الأطفال وبركة الأمهات والشيوخ، ورقص الصبية وعزف الاستقرار.
كلنا نحب العراق، نعشقه، نتغنى بتاريخه وفراته وعمالقته الضاربين في ذاكرة التاريخ، نغوص معه إلى سومر وبابل ونمتد به إلى أحلامنا العربية المؤجلة، كلنا نعشق رائحته ولا ننسى أبداً تمره ورطبه يوم كانت الدنيا شحا وعطشا وشمسا حارقة، نعشق العراق وارض العراق وحرية العراق وضحك العراق ومواويل العراق، مثلما يعشقه أبناؤه.
اليوم ترفع بابل عن صدرها «جاثوم» الألم والبؤس واليوم تتفتح أزاهير الوطن في قلوب كل العراقيين.. هذا اليوم لأبناء العروبة أيضاً، ارفعوه من على الأرض وضموه إلى صدوركم، عانقوه طاهرا، متحررا، امسحوا عن وجهه الصبوح مكياج الشقاء والبؤس وسنوات من نار أدمت القلوب وأبكت المآقي. دعوه يغني من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه ليالي طويلة من اليوم فصاعدا، أناشيد السياب والجواهري، أناشيد شعرائه الذين تمرغوا في ترابه وماتوا عشقا فيه.
نحن هنا تشملنا الفرحة، أن يعود لنا وطن عربي انفرط من بين أصابعنا وأصابع الفرح وتاه وسط دخان التيه. كم نأمل ان يزف العراق للعراقيين اليوم بثوب ابيض ناصع ملائكي، وان تطوف صواني الحلوى والشموع بين حواريه وبيوته، ان تغرد عصافيره وتحوم فراشات حقوله دون أذى. ان يختفي الرعب من عيون أطفاله، ان يشتموا عطر أمنه ونسمات هدوئه، ان يحولوه إلى ساحة ألعابهم وركضهم وانطلاقهم. ان يكف الموت من التجوال أمامهم وان يندحر ويتلاشى من سمائهم.
العراق قلعة عربية وحصن العروبة ومخزن التاريخ الذي يشد أعوادنا وهامتنا، ومهد الحضارات التي ننهل منها في كراساتنا، وبستان الثقافة والإبداع ورافعة البناء العربي. وترس القوة والقومية ومنبع الفكر والإبداع، وأحلامنا العربية معلقة برقبته منذ كتب له التاريخ قدر قيادة الحضارة. نفرح لأن في عروقنا تجري أنفاسه مثلما هي تجري في عروق أبنائه، نفرح لأننا نحتاجه منصة لانطلاقات النماء العربي، نفرح لأن فرح العراقيين عدوى، وما أجمل العدوى، حين تشرق الابتسامات وتلتمع شامات الخدود.
