تمكنت شركات الاتصالات والهواتف الجوالة بخدماتها متعددة الأنماط ومختلفة التكلفة من إقناع الجميع باقتناء بضاعتها.. واليوم صار الجوال ملازماً لمعظم الناس، الكبير والصغير والرضيع في السرير؛ العامل والعاطل؛ الغني والبائس المحروم؛ الذكور والإناث.. كلهم يعتقد أن الجوال حاجة لا غنى عنها. وهناك من يقطع من قوت يومه ليفي بمصاريف هذا الاختراع الذي يراه ضرورة. ولا ندري كيف كان يعيش الناس ويتواصلون قبل ذلك؟!.
ولأن الإبداع في استنزاف الجيوب وتوسيع سوق المستهلكين لا حدود له، فقد تفتقت أذهان المعنيين عن أفكار وأساليب التفافية جهنمية. إنهم مثلاً يشاركون بالتحالف مع قنوات تلفزيونية في تنظيم مسابقات صغيرة أو كبيرة، تقوم على استدراج مكالمات الملايين؛ يحسب القائمون بها أنهم يضطلعون بدور معرفي أو وطني جبار في الاختيارات المطروحة عليهم.
وفي نماذج أخرى، يتولى التحالف ذاته عرض أسئلة غاية في السذاجة؛ إجاباتها في متناول أغبى الناس.. ثم ينتظر من الجمهور أن «يتصل الآن» ويجيب، واعداً الفائز بجائزة ثمينة. ولنا أن نتخيل عدد المتصلين المتأملين في الثروة التي يتصور كل واحد منهم أنها ستهبط عليه بمجرد مهاتفة لا تكلف الكثير.
وهناك من يدمنون هذا الأمل. على أن بعض مستغلي عصر الجوال اتخذوا من نظرية الإدمان هذه سبيلاً لجذب المستهلكين بلا مواربة. ففي الولايات المتحدة رحبت شركات خدمات الجوال بتعديل قانون قديم يسمح بمساعدة ذوي الدخول المحدودة عبر تزويدهم بالهواتف الأرضية مجاناً أو بسعر مدعم، لكنه أصبح يتيح هذه المساعدة من قبل هذه الشركات تحت شعار «خط الحياة». الأصل في هذه الخدمة هو بعدها الإنساني الخيري. غير أن شياطين الأسواق رأوها مواتية لإضافة مستهلكين جدد.
يقول أحد مديري العلاقات في واحدة من شركات الخدمات اللاسلكية إن شركته لديها عشرة ملايين مشترك. لكن «خط الحياة» يمنحها فرصة لجني بعض الأرباح.. «فمن المحتمل أن يتحول المشتركون تدريجياً من عملاء مدعومين إلى مشتركين يدفعون إذا ما تغيرت حظوظهم ولم يعودوا مؤهلين للحصول على هواتف مجانية..».
نحن إزاء خدمة ظاهرها تنموي تكافلي تعاوني وباطنها مادي انتهازي اقتصادي بحت.
بالمناسبة، لا نقلل هنا من شأن اختراع عبقري يؤدي وظيفة حيوية؛ ساهم في تعزيز نظرية القرية العالمية الصغيرة. لكننا نجادل ان الجوال وتوابعه يحتاج إلى التبصر في كيفية منع تغوله والتحول من وسيلة اتصال سهل إلي أداة ابتزاز واستحلاب لموازنات الأسر والأفراد.