يواجه الرئيس الأميركي باراك اوباما انتقادات حادة بسبب موقفه من الأحداث الإيرانية، حيث أكد في أكثر من مجال ومناسبة أن بلاده لا تتدخل في الشأن الداخلي الإيراني، وإن كان قد وجه انتقادات للسلطات الإيرانية بسبب قمعها للمتظاهرين، وبالطبع لم يعلق الرئيس الأميركي على نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية. والهجوم الذي يواجهه اوباما في أميركا يأتي من تيارات يمينية في مقدمتها تيار المحافظين الجدد، الذي يريد أن يعيد التجربة العراقية مع إيران أي أن تتدخل عسكريا من أجل إسقاط النظام الإيراني.
والحاصل أننا يمكننا القول إن موقف اوباما مبني على معرفة حقيقية بالنظام الإيراني، لأنه في حال لو انتقد النظام أو أيد المتظاهرين ضده يكون بذلك قد أعطى للملالي الذريعة التي يمكن أن تتهمهم بأنهم عملاء للغرب، وهو الأمر الذي يؤثر سلبا على تظاهراتهم، خاصة وان العلاقة مع الغرب تثير مخاوف قطاعات عديدة من الشعب الإيراني.
وذلك يعني بالتبعية أن إيران عصية على أي تدخل أو تأثير أميركي في تفاعلاتها الداخلية، لكن ذلك لا يمنع من أن يتم استغلال ما يحدث إعلاميا فى إطار الحرب الباردة على نظامها السياسي.
وهذا الأمر حدث بالفعل في الأزمة الأخيرة التي شهدتها إيران حيث اهتم بها الإعلام الغربي، وأعطى لها مساحات كبيرة فضلا بالطبع عن أن التناول كان يوحي بأن النظام الإيراني على وشك السقوط، وكل ذلك ليس دقيقا، لكنه مثل في نفس الوقت ضغطا على النظام، وان أدى إلى نتائج عكسية، فهو بدلا من أن يدفع النظام إلى التراجع في مواجهة المتظاهرين، دفعه إلى المزيد من التشدد والتصلب في مواجهتهم.
فمشكلة الغرب مع إيران هي أنها عصية عليه ولا يستطيع التدخل فيها، ولا يملك مفاتيح التأثير فيها، ولا يملك خبراؤه تحليلات يمكن من خلالها وضع برامج للتأثير عليها من الداخل. ويرجع ذلك إلى عدة أمور في مقدمتها أن إيران مجتمع مغلق، لا يستطيع الغرب أن يحصل على معلومات عنها بسهولة، فضلا عن أن وسائل التخابر المعروفة تقليديا تعجز عن العمل بفاعلية في المجتمع الإيراني لأسباب تعود إلى تماسكه الاجتماعي والإيديولوجي على الرغم من تنوعه الاثني والثقافي.
وبالطبع فإن الرئيس الأميركي ومعاونيه يدركون ذلك جيدا، وقد اتبع في مواجهة الأحداث الإيرانية استراتيجية غير تقوم على ترك الأمور تتفاعل في الداخل الإيراني بقوتها الذاتية من دون تدخل غربي، مدركا أن هذه الأحداث إن تركت سوف تحدث تغييرات على بنية النظام الإيراني وتفاعلاته الداخلية بما يؤدي في النهاية إلى إضعاف التيار المتشدد داخل النظام وليس إضعاف النظام ذاته، وهذا الأمر يعني في النهاية دفع إيران إلى الاعتدال بصورة تدريجية على المدى المتوسط وليس القريب، وكل ذلك يكشف عن براجماتية اوباما وعملية سياساته وواقعيتها، وإن كان يبدو أمام العالم انه سلبي أو محايد تجاه إيران، لكن هذه السياسة هي التي تحدث النتائج المطلوبة في النهاية.
والدليل على أن الغرب لا يملك أي تأثير على الداخل الإيراني، وعلى أن القوى التي نزلت الشارع كانت لها حساباتها الداخلية فقط وعلى أنها قوى تلقائية، هو أن منظمة مجاهدي خلق التي تعتبر الأقرب إلى الغرب من بين فرقاء الساحة الإيرانية، لم تشارك في الأحداث واكتفى عناصرها وأعضاؤها بتنظيم المظاهرات في الدول الأوروبية من أجل دعم التحركات التي تحدث في داخل إيران، وبالطبع فإن التعتيم الاعلامي الداخلي يحول دون معرفة متظاهري الداخل بهذا الأمر، بما يعني أن هذا النشاط يستهدف فقط البعد الرمزي الخاص بما هو موجه إلى المواطن الغربي حول ما يحدث في إيران، بما يدعوه للتعاطف مع الإيرانيين الذين يعيشون معه في مجتمعه.
ونتصور وفقا لمعرفتنا بطبيعة النظام الإيراني، وبنية السلطة فيه، انه لولا الضجة الإعلامية التي أثيرت بشأن المظاهرات، وتشكيك الإعلام الغربي في نتيجة الانتخابات الرئاسية بصورة تفوق شكاوى المرشحين أنفسهم، وتحويلها المرشحين الرافضين للنتائج إلى مدافعين من أجل الحرية، لولا ذلك لكان المرشد الأعلى للثورة أبدى مرونة تجاه المتظاهرين لأنه يدرك أنهم من أبناء الثورة، وهذه المرونة كان يمكن أن تكون إعادة فرز الأصوات بما يهدئ المتذمرين، ولكن الموقف الغربي، كان يسعى إلى التصعيد من اجل إحراج النظام وليس البحث عن نتائج واقعية ودقيقة للانتخابات الرئاسية.
والحاصل أن ما حدث من الغرب، خاصة بريطانيا وليس الولايات المتحدة، هو أنهم على الدوام يشككون في طبيعة النظام الانتخابي الإيراني باعتباره يستبعد من هم خارج المؤسسة الدينية من الترشيح وباعتبار انه يضع شروطا مقيدة للترشيح من خلال الفيتو المتاح لمجلس صيانة الدستور، ولكن جاء الموقف الغربي ليؤكد الانتهازية السياسية، لأنه، اعتبر أن الانتخابات شرعية وفقا للنظام الانتخابي وأصبحت الأزمة والخلاف حول التفاصيل وليس حول الأساس الذي يقوم عليه النظام الانتخابي كما كان يحدث من قبل.
وهو ما يعني أن الغرب من حيث لا يدري أعطى شرعية ما للنظام الإيراني بعدما كان يشكك فيه من قبل، وهو ما يعني أن الغرب لابد وأن يعيد بناء استراتيجياته تجاه إيران في المرحلة التي ستعقب الأحداث الحالية.
كاتب مصري
