عام 1994 حصل شيمون بيريس الرئيس الإسرائيلي الحالي على جائزة نوبل للسلام، مشاركة مع الشهيد ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين. وبعد خمسة عشر عاماً رفض مردخاي فانونو ترشيح اسمه للجائزة ذاتها، كي لا يجاور اسمه اسم بيريس!.

فانونو شخص غير عادي. فهو أحد علماء الذرة الإسرائيليين الذين اطلعوا على معلومات غنية حول البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي.. وبوازع من الضمير ورغبة في السلام قرر البوح بأسرار هذا البرنامج، لا سيما ما يخص منها مفاعل ديمونة الذي عمل في خدمته.. إلا أن المخابرات الإسرائيلية ترصدت له، وكانت النتيجة أن زج به في السجن لثمانية عشر عاماً.

خلال هذه الفترة الممتدة، كفر فانونو بالمشروع الصهيوني كله. فلما أفرج عنه - تحت الرقابة- غير محل سكنه إلى شرقي القدس، وتبرأ من الصهيونية. بل ويقال انه تعمد وأصبح مسيحياً.

هذه بعض سيرة الرجل الذي قال لا لنوبل وتاب عن الصهيونية. أما بيريس (-1923) فسيرته معاكسة. فهو أبرز المسؤولين الصهاينة عن المشروع النووي الإسرائيلي من حيث الفكرة والتطبيق.. حدث هذا قبل أكثر من خمسين عاماً، حين كان شاباً يافعاً، قادته أقداره وحماسته الفوارة للصهيونية إلى أن يكون أصغر مديري وزارة الخارجية الإسرائيلية. ويومها قاد مباحثات مع باريس وعواصم أوروبية أخرى، انتهت بإدخال السلاح النووي إلى «الشرق الأوسط».

كانت فلسفة بيريس أن هذا السلاح سيشكل وقاية للكيان الصهيوني ورادعاً أبديا لأعدائه العرب. وفي حمئة الانشغال بهذا الهدف، لم يعبأ مدير الخارجية الشاب بالغرابة والاستهجان اللذين ينطوي عليهما توجه دولة، منمنمة الحجم قليلة السكان، لامتلاك أخطر سلاح عرفته البشرية. لا يحب بيريس التذكير بهذه الصفحات من تاريخه رغم اعتزازه بها.

وقد اشتهر بثعلبيته وتلاعبه بالألفاظ وانتهاجه للدبلوماسية السرية في تسهيل الصفقات، ودرايته العميقة بالعقلية الأوروبية، وبأنه من الذين يقولون ما لا يفعلون. وبسبب خصائصه هذه ونحوها، غالباً ما أوكلت إليه مهمة تحسين صورة إسرائيل وتجميلها بمعسول الكلام أمام الرأي العام العالمي..وهو لم يحمل يوماً لقبا عسكريا، لكنه سهر على مشروع غير وجه الشرق الأوسط، وربما أدخله في سباق لأسلحة الدمار الشامل لا يعلم أحد مصيره ومنتهاه.

لا أحد يرفض مجداً تسجله له جائزة نوبل.. فانونو فعلها وقال لا. لسبب قد يمر على كثيرين فيستسخفونه، وهو عند دعاة السلام الحقيقيين عظيم.

mohamedalazzar@hotmail.com