لقد استهوتني قراءة السير الذاتية منذ فترة مبكرة من عمري، لا سيما سير أولئك الذين يتركون بصمة كبيرة في التحولات الجذرية والكبيرة التي تشهدها مجتمعاتهم أو التحولات التي ترجع بالخير على البشرية.

فكنت أحاول أن أقتني السير الذاتية التي تقع عينيّ عليها. قبل أكثر عن عام تقريباً اشتريت كتاب (حياتي) من معرض الشارقة الدولي للكتاب، لمؤلفه الرئيس الإيراني الأسبق السيد هاشمي رفسنجاني، في الواقع شدني عنوان الكتاب بالإضافة إلى صورة الرئيس التي تصدرت غلاف الكتاب حيث ظهرت صورته المشرقة وهو يضحك بسرور، فيتبادر إلى الذهن على الفور رضا رفسنجاني عن مسيرة حياته التي بدأها من مسقط رأسه في قريته بهرمان والتي تعني الياقوت الأحمر وذلك لكثرة الخيرات الطبيعية التي تتمتع بها، ولكن نظراً للطموح العلمي المنقطع النظير التي بدأت بوادره تظهر على الفتى الصغير والتي ضاقت بهرمان وكتّابها على تلبيته، قرر السفر وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره إلى قم مدينة العلوم الإسلامية ومقر المرجعية الإسلامية ومركز إشعاع الفكر الإسلامي.

بدأت بوادر الفطنة والذكاء تظهر على الفتى الصغير، فقرر دراسة الأدب وحفظ ألفية ابن مالك بالإضافة إلى الفقه وأصول الدين، تمرن على الخطابة حتى أجادها وأعتلى المنبر في أول ليلة من ليالي رمضان حيث خطب في أهل قريته أول خطبة في حياته وقد لاقت استحساناً حسناً وإعجاباً منقطع النظير. الحدث الأهم في حياته أثناء إقامته في قم هو تلمذته على يد الخميني حيث لازمه معظم الوقت وبذلك توثقت علاقة الطرفين.

من المحطات المهمة كذلك التي ذكرها رفسنجاني في كتابه (حياتي) الذي قامت دار الساقي بإصدارة ويقع في 366 صفحة من القطع المتوسط، تأريخ الثورة الإسلامية ودوره فيها، حيث يجعلك الكتاب تعيش أجواء الثورة من عيني أحد قياديها الرئيسيين، حيث يستعرض الاجتماعات السرية لأعضاء الثورة، والخطابات الجماهيرية، ومراحل التعذيب والسجن على يد (السافاك) جهاز المخابرات الشاهنشاهي.

ما جعلني أستذكر هذا الكتاب القيم الذي يضم سيرة حياة أحد رجال صانعي الثورة الإسلامية في إيران، وأفتحه وأقلب صفحاته مرة ثانية بعد أن قمت بوضعه في أحد أدراج المكتب، هو أحداث يونيو الأخيرة التي حدثت في إيران بعد إعلان نتيجة الانتخابات. كثيراً من التحليلات القريبة من صناعة القرار في الشأن الإيراني تشير إلى أن المعركة الحالية التي تشهدها إيران هي معركة بين أركان ورموز الثورة الإيرانية وبالتحديد بين خامنئي ورفيق دربه الطويل هاشمي رفسنجاني.

ومن يقرأ تاريخ الثورة تتضح له العلاقة القوية بين الشخصين حيث كانا هما الأقرب إلى قلب مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران الخميني الذي قدمهما على الآخرين من رجالات الثورة مما سهل حصولها على شعبية كبيرة. في بداية تأسيس الجمهورية الإسلامية تقاسم الرجلان السلطة حيث تولى خامنئي السلطة التنفيذية كرئيس للجمهورية، وتولى الثاني السلطة التشريعية كرئيس لمجلس الشورى، وكانا متفقين إلى حد كبير في قضايا الدولة المفصلية، وبعد موت الخميني أصبح خامنئي مرشد الثورة وكان لرفسنجاني دوراً كبيراً في ذلك.

استطاع رفسنجاني أثناء فترة رئاسته أن يخرج النظام الإسلامي المولود حديثاً من أزمات طاحنة كانت كفيلة بالإطاحة بإنجازات الثورة، فقد كان له دوراً في إقناع الخميني في قبول قرار مجلس الأمن لوقف الحرب مع العراق، ودوره في تغيير الدستور قبل وفاة الخميني، وكذلك دوره في تعيين خامنئي لمنصب المرشد، وإبعاد المتشددين من رجال الدين من مجلس الخبراء. أما خارجياً فقد نجح رفسنجاني في القيام بعدة خطوات مهمة أهمها فكرة تخلي الجمهورية عن تصدير الثورة الإيرانية والتركيز بدلاً من ذلك على إعادة بناء وصياغة دور إقليمي ودولي مناسب لإيران.

بدأت المعركة الفعلية بين الطرفين في انتخابات 2005 حيث كان رفسنجاني واثقاً من فوزه بالانتخابات ولكن المفاجأة عندما فاز أحمدي نجاد برئاسة الجمهورية، فقد أدرك رفسنجاني يومها أن رغبة خامنئي كانت مع منافسه، وعلى الرغم من إن خامنئي منحه منصباً خاصاً وهو رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام إلا أن ذلك بدا وكأنه محاولة استرضاء شخصية، ومواساة على الصدمة التي تعرض لها.

بدأ الطلاق الفعلي يظهر بين الطرفين في الحملة الانتخابية الأخيرة حيث تبنى الشيخ رفسنجاني الاتجاه الإصلاحي وهذا يعني وقوفه مع مير حسين موسوي الخصم التقليدي لخامنئي، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فأحمدي نجاد أثناء حملة الانتخابات الأخيرة وجه انتقادات قاسية لرفسنجاني، وتسببت تلك التصريحات بإغضاب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي هدد المرشد الأعلى في رسالة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقة بينهما بأن لصبره حدود واتهمه ضمناً بأنه يساند نجاد ضده.

يبدو أن رفسنجاني أحد أعمدة الثورة الإيرانية وبدونه لا تستقيم الجمهورية الإسلامية نظراً لأدواره الكبيرة منذ تأسيس الثورة وعلى مدار ثلاثين عاماً، لم يهن عليه أن يجد نفسه شخصاً ثانوياً وهو يستند إلى تاريخ طويل في إيران الإسلامية، فإعلانه الحرب على خصومه وذلك بالتحرك الذي يقوده في قم مع علمائها ينم عن تغييراً حادثاً لا محالة في إيران وربما يتعلق الأمر بمفهوم ولاية الفقيه.

يبدو أن «حياتي» سيرة لم تكتمل بعد، فمازال كاتبها يلعب دوراً كبيراً لا يستهان به في الداخل الإيراني، ويبدوا أنه سيضيف إلى فصولها روايات وأحداث وخواطر أخرى فهو أحد منظري الثورة ومؤسسيها ومن المحالة أن يترك السفينة تتجه بدونه.

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com