بعد أيام من القلاقل في شوارع طهران وتدخل زعماء وساسة الغرب بتصريحاتهم العلنية في تأييد جهة ضد جهة ومهاجمة النظام الحالي بحجة حرية التعبير والرغبة في التغيير، بعد كل ذلك هدأت العاصفة وعاد كل إلى مواقعه.

ربما لعبت خطبة قائد الثورة يوم الجمعة قبل الماضي، دور تأنيب الضمير والخوف على مصير جمهورية بحجم إيران قد تتحول إلى أفغانستان ثانية فيما لو استمر الشغب في الشوارع.

بينما تمنى آخرون لو تأججت المظاهرات على أمل أن تطيح ببعض رموز المحافظين في هذه الجمهورية التي قدر لها منذ ثورة الخميني أن لا يهدأ لها بال لأنها شكلت شوكة في حلق الأطماع الغربية.

وهناك في الطرف الآخر من كان يخشى انعكاس نتائج هذه التراجيديا عليه، وبالخصوص دول المنطقة، حيث بات الكل يدرك ان أي هزة أرضية خفيفة تضرب جبال إيران ستتأثر بها المنطقة المجاورة.

الغرب له حجته. والشرق له حجته أيضاً. والمعارضة في إيران لها حجتها. والنظام المحافظ في إيران له حجته. والكل يريد إيران. ولا أحد يعلم إن كانت إيران نفسها تريد أحداً من هؤلاء المتقاتلين على طلب يدها.

خامنئي يعتبر واحداً من بين ثلاثة دهاة غيروا وجه تاريخ إيران رأساً على عقب ولم يتبق من الثلاثة بعد وفاة الإمام الخميني سواه وأكبر هاشمي رفسنجاني. وكون قائد الثورة الحالي شارك وعاصر كل مراحل تحولات الإمبراطورية إلى جمهورية وعلم بكل صغيرة وكبيرة مرت بها إيران منذ لحظة خروج الشاه، فهو ربما يكون أكثرهم معرفة بمصيرها القادم في حالة انفلات الأمن في جمهورية يقارب عدد سكانها السبعين مليون نسمة، ومساحتها تقدر بأكثر من مليون ونصف مليون كيلومتر مربع وتتعرض لضغوطات ومؤامرات خارجية مستمرة.

أما الإيرانيون فقد انقسموا إلى معسكرين. فطرف يطمح إلى التغيير والخروج عن طاعة نظام عرض إيران لحرب مدمرة، وأدخلها في دائرة الانتقاد العالمي، وتدخل في شؤون بلدان أخرى تبعد عن حدودها آلاف الكيلومترات، ومطالب اليوم برد حقوق جيرانه، أي أنه طرف مل من الوقوف في وجه العالم وحيداً. وطرف أخذته العزة بالنفس، والتمسك بالمبادئ، واعتقد ان الحق سوف ينتصر، وأنه لا بد من دعم مقاومة المسلمين المظلومين في بقاع الأرض وعلى رأسهم الفلسطينيون، ولهم فيما يبدو استراتيجياتهم وخططهم.

أما الغرب فهو قلق ومتقلب أمام كيفية التعامل مع هذا النظام الذي صعب عليهم اختراقه؟ والدليل على ذلك، تلك التصريحات المتناقضة التي تصدر عن ساستهم فيما يتعلق بقبول أو رفض إيران.

وعندما حدثت الصدامات الأخيرة ظن الغرب أنه بداية انفلات زمام الأمور من يد المحافظين والمتشددين وبالتالي تمنوا استمرارها لأطول فترة ممكنة لكي يعدو العدة لما بعدها، لكن خاب أملهم، ولم يجدوا أمامهم غير تكرار إعادة بث بعض الصور النادرة والقديمة التي التقطت أثناء المواجهات ليقنعوا العالم باستمرار وبوجوب استمرار الاضطرابات في إيران.

ولم نسمع يوماً أن صرح أي رئيس دولة شخصياً وعلناً أمام كاميرات القنوات الفضائية بشأن نتائج أي انتخابات تحدث في العالم حتى ولو كانت مزورة مئة بالمئة، بل انهم نادراً ما يتدخلون شخصياً أو علناً في شؤون دول قائمة على النظام الديكتاتوري ومدعومة من قبلها. إلا في حالة الانتخابات الإيرانية الأخيرة. قام العالم ولم يقعد. والسبب؟ لا أحد يعرف.

فهل اكتشف الشعب الإيراني من الجهتين حقيقة اللعبة؟ ويبدو أنه بعد مرور الأزمة وفي لحظة مراجعة النفس وجد الشعب الإيراني إن جزءاً مما أشار إليه قائد الثورة بخصوص الأخطار الخارجية المحيطة بإيران فيه كثير من الصحة، وإن الإنجازات التي حققتها إيران خلال فترة وجيزة أوصلتها إلى رفض وجود أي وصاية أجنبية تفرض عليها من أوروبا، والدخول في منظومة الدول التي تملك القدرات النووية، وكسب احترام الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، وتخوف إسرائيل من ضرب أهداف في إيران أمر لا يستهان به، ويوجب عدم المغامرة في دوامة العنف التي قد تؤدي إلى الحرب الأهلية الشاملة التي لن يدفع ثمنها سوى الشعب الإيراني نفسه ومن ثم يندم على ذهاب نظام المحافظين كما ندم على ذهاب نظام الشاه.

الصورة العامة اليوم هو أن الغرب فشل فشلاً ذريعاً في فرض نفسه ولياً على الشعب الإيراني أو القدرة على تحريك عملائه، والمحافظون في إيران نجحوا في حماية الثورة الإسلامية في إيران للمرة العشرين! ويبدو أن إيران في محنتها الأخيرة أثبتت للغرب ان نظامها ممسك تماماً بزمام الأمور وأكثر تعقيداً مما كانوا يتخيلون، وليس من السهل جره إلى تدمير نفسه بنفسه.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com