لم يعد للفلسطينيين المنقسمين وقت طويل حتى يجدوا أنفسهم أمام واحد من خيارين، فإما الاتفاق والتكيف عبر حوار وتشكيل قناعات مشتركة بشأن أسس وآليات إعادة بناء وحدتهم، أو أنهم سيضطرون للتعامل مع اتفاق تفرضه عليهم مصر عبر تقديم إجابات عن الأسئلة المعلقة، لاستكمال ما قامت به اللجان في شهر فبراير الماضي.

في الجولة الخامسة من الحوار التي انعقدت قبل حوالي الشهر في القاهرة، أدرك المصريون أن ثمة محاولات، لتحويل الحوار إلى عملية تفاوضية طويلة، وأن تلك المحاولات، تجري على خلفية استهلاك الوقت، لتبرير التمترس حول المواقف والرؤى المختلفة التي يصعب جسرها.

التوقيت الذي اختاره المصريون كسقف زمني للحوار، وهو السابع من تموز الذي فازت فيه قوى الموالاة، وخلالها أيضاً كان على الحكومة الإسرائيلية أن تقدم رؤيتها ودورها على المساعي الأميركية المتعجلة لتحريك عملية السلام، وأيضاً كان معروفاً أن الانتخابات الإيرانية ستجري في الثاني عشر من شهر يونيو الجاري.

الاستعجال الأميركي أيضاً، لم تتوقف تداعياته عند حدود انتظار الرد الإسرائيلي الذي ورد في خطاب بنيامين نتانياهو، بل أيضاً يمتد ليشمل تنشيط الاتصالات الإيجابية مع سوريا، بما يفتح معها صفحة جديدة على خلفية الدعوة الأميركية لتحقيق تسوية شاملة في المنطقة، وخلال الفترة التي تفصل بين الجولة الخامسة من الحوار، وبين الأخيرة وتصل إلى حوالي الشهر ونصف الشهر، كان يفترض استثمارها لتهيئة الأجواء الفلسطينية الداخلية، وإزالة بعض العقبات، بالإضافة إلى تهيئة الأجواء العربية لتحقيق إجماع عربي خلف الجهد المصري لإنهاء الانقسام الفلسطيني، ولأعضاء حماس فرصة لتحريك مواقفهم.

في البعد الفلسطيني ولمعالجة ملف المعتقلين السياسيين الذي تثيره حركة حماس كشرط للذهاب إلى الحوار، وبتوجيه من وزير المخابرات المصري عمر سليمان، وإشراف مصري مباشر في الضفة وغير مباشر في غزة، عقد الطرفان فتح وحماس اجتماعات ثنائية تبادلا من خلالها قوائم المعتقلين واتفقا على معايير الاعتقال السياسي استناداً لما كانت قدمته الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن.

على أن تلك الاجتماعات ما كان لها أن تعالج ملفاً شائكاً تراكمت محتوياته مع مرور المزيد من الوقت، بحيث بات من الصعب التمييز بين معتقل سياسي على أساس الانتماء التنظيمي ومعتقل من هذه الحركة أو تلك، قد تم اعتقاله بناءً لملف أمني أو جنائي، ولذلك فإن تلك اللجان لم تنجز شيئاً، مما أدى إلى مواصلة الاعتقالات، وتبادل الاتهامات.

حتى حين اتخذ الرئيس محمود عباس قراراً بالإفراج عن كافة المعتقلين في سجون السلطة، وكان ذلك بعد جولته الأخيرة على كل من سوريا والسعودية، فقد شككت حماس بنفاذ القرار، واتهمت السلطة، بأنها خلال يوم واحد أفرجت عن أربعة واعتقلت أربعين من أعضاء حماس في الضفة. وبغض النظر عما إذا رغب الطرفان فتح وحماس وقررا فعلاً تنظيف السجون من المعتقلين السياسيين، قبل موعد السابع من تموز المقبل، فإن هذا الملف الأسود، مثل ملفات عديدة أخرى، لن ينتهي إلا بعد اتفاق شامل يغير واقع الحال الفلسطيني.

بل ربما يمكن الاستدلال على كيفية معالجة هذا الملف للتأكيد على مدى صعوبة الواقع الذي خلفه الانقسام، ومدى عمق الخلاف بين الطرفين إلى الحد الذي يولد اعتقاداً راسخاً بأن الفلسطينيين لوحدهم لن ينجحوا في تجاوز خلافاتهم وانقسامهم، إلا بانتصار طرف على آخر بشكل حاسم.

فيما يتعلق بالوضع العربي، فقد أصبح هذا مهيئاً أكثر من أي وقت مضى، فلقد اختفت الخلافات العربية التي برزت بحدة إزاء الانقسام الفلسطيني وعلى جانبيه، حيث كان آخر تلك الخلافات، قد جرى تسويتها باتجاه دعم كافة الدول العربية للمسعى المصري باتجاه إنهاء الانقسام الفلسطيني.

وبغض النظر عن أن المصالحة المصرية ـ السورية لم تتم حتى الآن وثمة مساعي من الجزائر وليبيا وأطراف عربية أخرى لتحقيقها، فإن زيارة الرئيس محمود عباس إلى دمشق مؤخراً، وهي الثانية خلال شهر، قد أفضت إلى نتائج إيجابية استمع خلالها الرئيس عباس إلى مواقف مرضية من الرئيس بشار الأسد، الذي يبدي ميلاً أكثر في الآونة الأخيرة، نحو تحسين المناخات والعلاقات العربية، وفي اتجاه التعاطي الإيجابي مع التغيرات الدولية.

الولايات المتحدة بدورها بذلت جهداً لاستدراج واستيعاب حركة حماس ضمن العملية السياسية، فبعد أن اعترف الرئيس باراك أوباما بحقيقة وجودها وفاعليتها خلال خطابه في القاهرة، أوصل إلى حماس في دمشق وفي غزة رسالة مرنة من خلال الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر.

الرسالة التي حملها كارتر وتقول مصادر حماس إن ردها المبدئي على الرسالة كان بعدم الموافقة، وبوعد لدراستها، تطالب حماس الاعتراف بالمبادرة العربية للسلام وبخارطة الطريق، كبديل عن الشروط السابقة والتي طالبتها بالاعتراف بإسرائيل ونبذ ما يسمى بالعنف والالتزام بالاتفاقيات السابقة.

في الواقع فإن كل هذه الجهود والمساعي التي تبذلها أطراف عديدة دولية وعربية وفلسطينية وتستهدف المساعدة في إنهاء الانقسام الفلسطيني، وإعادة توحيد السلطة، إنما تندرج في سياق محاولة تحضير الساحة الفلسطينية للتعامل بإيجابية مع المرحلة القريبة المقبلة التي ينتظر خلالها تذليل العقبات أمام عودة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.

وفي إطار تذليل العقبات وتهيئة الساحة الفلسطينية يصبح توقيت السابع من تموز المقبل مهم جداً، ارتباطاً بالانتخابات التشريعية والرئاسية التي تم الاتفاق عليها وينبغي أن تتم في موعد أقصاه الخامس والعشرين من يناير 2010، باعتبارها محطة التغيير الأساسية في الوضع الفلسطيني.

بتعبير آخر فإن الانتخابات حتى تتم لابد من تحضيرها قبل ستة أشهر من موعد إجرائها، أما إذا انفتح الحوار ومحاولات إنهاء الانقسام على المزيد من الوقت، فإن ذلك سيفتح المجال أمام تأجيل الانتخابات مما سيكرس واقع الانقسام.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com