أظهر استطلاع حديث للرأي، أجرته مؤسسة غالوب الأميركية على عينة من الشباب العرب أن أصحاب المشروعات الخاصة لا تعنيهم سوى مصالحهم الشخصية، ولا يعبأون إلا بالربح. نسب الاستطلاع هذا التقدير إلى 82% من اللبنانيين و72% من الكويتيين والفلسطينيين، ولم تقل المعدلات لدى الشعوب العربية الأخرى عن ذلك.
المعني هنا أن قطاع الأعمال الحرة لا ينشغل كثيراً بالأبعاد الاجتماعية لنشاطاته الاقتصادية. وعليه، لا يبقى أمام عامة الناس غير الالتفات إلى الدولة، التي ينبغي عليها بنظرهم الاضطلاع بتحقيق التوازن الحرج بين نزوع رجال الأعمال لمراكمة الأرباح ورؤوس الأموال وبين التبعات المتأتية عن ذلك، كالتفاوت الطبقي وتفشي البطالة والفقر..
فقدان الثقة عربياً بدور القطاع الخاص في ظل طغيان التوجه لتسليمه مقاليد الاقتصادات الوطنية، مؤشر خطير. ففي أقل الفروض احتمالاً، قد ينذر هذا المشهد بقلاقل اجتماعية أو حتى سياسية. هكذا تقول نظرية الحرمان الاقتصادي.
وهي تقول أيضاً بأن الأعمال الحرة تجبن عن النهوض بمشروعات غير محسوبة بعامل الربح أو تقصر في جنب مشروعات حيوية للمجتمع كالتعليم والصحة وتطوير البحوث واستخدامات الطاقة الذرية السلمية وإقامة السدود ورعاية موارد الري.. بسبب تعارضها مع العامل ذاته، أو لأنها لا تدر عائدا سريعاً. ثم إن القطاع الخاص قد ينمي حيتانا تتلاقى فيما بينها، بما يؤدي إلى نشوء احتكارات جبارة لا قبل لسواد شرائح المجتمع بمواجهتها.
لهذا كله، راعت أكثر الدول ليبرالية وحرية اقتصادية ضرورة التواجد لسد ما يطرأ على نهجها هذا من عيوب ونقائص. وبعضها حرص على تقسيم الأدوار مع المشروعات الحرة وتشديد الرقابة عليها، والتدخل لتصحيح المسار والمواءمة بين كفاءة هذه المشروعات وانخفاض منسوب الفساد داخلها، وبين وظيفة الدولة الحمائية لعموم الشرائح والطبقات الاجتماعية.
وجهة النظر التي راحت تكسب أنصاراً يتزايدون باطراد مؤخراً، أن الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة تعود إلى ميوعة دور الدولة واختلال المعادلة لصالح تغول رأس المال بزعم الحرية. ومن هنا تقدمت أكثر الحكومات ليبرالية خطوات لمعالجة هذا الاختلال. في ألمانيا مثلاً، جرى تأميم بنوك خاسرة على الرغم من كون المستشارة ميركل وحزبها الحاكم في طليعة المحافظين وحراس حرية السوق.
وفي الولايات المتحدة وضعت الحكومة يدها على بعض أمهات الشركات لجنوحها عن جادة مواصفات الحرية الاقتصادية الحقة. بذلك، كسبت نظرية الدولة ذات الدور «الفاعل غير المحايد» أرضاً جديدة في فقه السياسة وإدارة المجتمعات.
كاتب وأكاديمي فلسطيني