كنت أقرأ تقريراً في إحدى المجلات حول قائد الأوركسترا الألماني «فيليكس مندلسون» الذي كان أوّل من عزف مقطوعة للعازف الألماني الشهير «باخ» بعد وفاته. حيث كان التقليد حتى عام 1829م هو ألا يعزف أحد أي مقطوعة لعازف قد فارق الحياة، مما أدى إلى اختفاء مقطوعات جميلة بعد موت أصحابها اتباعاً لذلك العرف.
لقد كان مندلسون في العشرين من عمره في ذلك العام عندما أقدم على عمل غيّر مجرى الموسيقى في العالم، حيث حضر تلك الحفلة الشهيرة، ملك بروسيا والفيلسوف الألماني «هيغل». هكذا ورد الخبر في التقرير، توقّفت عند ذكر اسم الفيلسوف هيغل وتجاهل اسم ملك بروسيا، وعندما بحثت قليلاً استغربت عندما وجدت وجه الشبه بين هيغل ومندلسون.
فكلاهما شكلا نقاط تحول في مجاليهما، فهيغل كان نقطة تحول أساسية في الفلسفة الحديثة، وخصوصاً في جداله حول المادة والوعي، حيث قال إن إدراكنا للأشياء من حولنا يعتمد على شيئين أساسيين هما الزمن والتراكم المعرفي، وكل إنسان وكل شعب يعطي تعريفات خاصة للأشياء من حوله بناءً على مخزونه الثقافي، ولكن، هذا لا يعني بأن هذه التعريفات تشكّل الحقيقة النهائية للشيء.
أما مندلسون، فعلى الرغم من أنه كان نابغة في الموسيقى، حيث ألّف 12 سيمفونية بين سن 12 و14 سنة، حتى قال عنه الشاعر الألماني غوته: «إنه مقارنة بأماديوس في صغره، فإن موسيقى مندلسون هي لغة راشد مثقف مقابل طفل يتفوه بترّهات» إلا أن ما يذكر عنه هو تلك المبادرة الجريئة التي قام به من أجل إحياء تراث باخ، والتي جعلت باقي العازفين يعيدون إحياء مقطوعات موسيقية رائعة لعازفين آخرين، وانتهى منذ ذلك اليوم ذلك التقليد القديم الذي كاد أن يلغي الموسيقى من تاريخ البشرية.
لقد كان مندلسون وهيغل تنويريين اجتهدا في إظهار الحقيقة للبشرية، وكان كل منهما يسعى للوصول إليها بشتى الطرق، تماماً مثل سقراط الذي سبقهما بمئات السنين. فلقد كان سقراط مشهوراً بتساؤلاته وأسئلته التي كان يرمي بها في وجه كل من يلقاه في طرقات أثينا، حتى كان الناس يتجنّبونه لكي لا يقعوا فرائس في فخ حكمته.
وبسبب تلك التساؤلات، التف حوله شباب أثينا الذين أخذوا يرمون بنبال حكمته تلك، قلاع السفسطائيين الذين كانوا يحاولون إلغاء الحق والفضيلة من قاموس الفلسفة ـ السفسطائي هو الذي يجادل لمجرد الجدل فقط ـ حيث كانت تساؤلات سقراط تثير الرغبة لدى الناس في معرفة المزيد، وفي كل مرة كان سقراط يتساءل مع نفسه أو يسأل أحد الناس عن شيء ما، كانت شرارة التنوير الإنساني تشع أكثر فأكثر.
أن نتساءل يعني أن نمعن التفكير، أو أن نمعن التأمل، فالتأمل في حياتنا وديننا مبدأ وضعه الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلقد، كان عليه السلام، يقضي جل وقته قبل الرسالة في غار حراء، والزائر إلى غار حراء يجد فيه سكينة تهدهد الروح، وتدفع بالعقل نحو البحث عن حقيقة الوجود، المتمثلة في الرسالة الإلهية التي جاء بها الوحي الأمين.
ليس المقصود بالتساؤل هنا الشك في العقيدة، وأعتقد بأن أصحاب «اللاعقيدة» يعودون للبحث عن الدين في لحظة ما في حياتهم، وأعتقد أيضاً بأن هؤلاء ينهجون هذا النهج عندما يكونون في أوج صحّتهم وجاههم، أما عندما تأتي الشدائد فإنهم يلجأون إلى الإله الذي يؤمنون به.
المقصود بالشك هنا هو عدم التسليم في الأشياء دون الاطمئنان إلى صحّتها، والطمأنينة محلّها العقل أولاً ثم القلب، فالقلب يأخذ الأمور بظواهرها، أما العقل فإنه يجرّد الأشياء ثم يستدل على مكنونها ليصل بنا إلى الحقيقة.
إن البحث عن الطمأنينة هو مبدأ قرآني، صوّره الحق تبارك وتعالى في حوار جميل بينه وبين إبراهيم عليه السلام في قوله: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ورد في تفسير الطبري لهذه الآية قوله: «ليس الخبر كالمعاينة» أي أن إبراهيم على الرغم من إيمانه التام بخبر الله تعالى إلا أنه أراد أن يعاينه حتى يطمئن قلبه ويسكن.
ولا يعني ذلك أن نعاين كل شيء مباشرة؛ إذ يكفي أن نعاين الأثر، فإبراهيم عليه السلام شاهد الدليل ورأى أثر قدرة الله عز وجل ولكنه لم ير الله تعالى.
إذن التساؤل صفة إنسانية، تلازم الإنسان إلى أن يحجُر على تفكيره الآخرون، فحينما نقبل الأشياء دون أن نفكر فيها ونمحصها فإننا نتحول إلى قطيع يسوده الجهل وتعمه الفوضى، فالتساؤل هو الذي يفرق بيننا وبين الحيوان، وكل عظماء التاريخ كان التساؤل والبحث عن الحقيقة هو دافعهم الأول في الحياة.
إن التساؤل يفتح الأبواب المغلقة على مصراعيها ليدخل شعاع النور ويمحو الأفكار السوداء في العقول المظلمة، وما أن ينبثق ذلك النور في أرجائنا حتى يعم الضوء كل شيء... إلى الأبد.
عندما تساءل هيغل وسقراط وصلا إلى حقيقة واحدة، وهي أن الفضيلة صفة مطلقة وليست نسبية، أي أن الفضيلة لا تختلف من شخص إلى آخر، بشرط أن يتجرد الإنسان من المادة، ويجعل الوعي والمنطق الركيزتين الرئيسيتين في حياته، وبذلك توصل سقراط إلى أن الإله واحد وليس آلهة متعددة كما كان الأثينيون يقولون.
عندما وقف سقراط مدافعاً عن نفسه في تلك المحاكمة التاريخية التي انتهت بإعدامه، قال لقضاته: «كنت أفتش عن الحقيقة، أبحث عنها كما يبحث الجائع عن طعام، ليحفظ عليه حياته، وليمدّه بالغذاء والقوة. ولم أستطع أن أقبل المشكلات من غير مناقشتها، فلقد كنت في حاجة لكي أرضى ذلك النداء الملح الذي يريد من كل إنسان أن يجتهد للوصول إلى الحقيقة كاملة، وها أنا ذا، لا يهمني أن أكون مثلكم لا أملك شيئاً من علم، ولكنني لا أريد أن أعاني ما تعانون من جهل».
كاتب إماراتي