من الواضح أن عودة أسعار النفط للارتفاع وتجاوزها حاجز الستين دولارا للبرميل سوف يؤديان إلى تغيير الموازين والأوضاع المالية لمعظم دول العالم سواء منها المنتجون للنفط أو المستهلكون في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية، وبالقطع إن التأثيرات الإيجابية ستكون من نصيب المنتجين والسلبية للمستهلكين، وخاصة كبار المستهلكين من الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، في نفس الوقت نجد أن دولة مثل روسيا التي وضعت ميزانيتها العمومية لعام 2009 على سعر أربعين دولارا فقط للبرميل سوف تشهد انتعاشا واضحا.

حيث حققت مع ارتفاع الأسعار فائضا في الميزانية يتجاوز الخمسين في المئة، وقابلا للزيادة مع الارتفاع المستمر لأسعار النفط، الأمر الذي يعطي الحكومة الروسية والكريملين فرصة كبيرة لتحقيق العديد من برامج التنمية والخدمات، كما يعطيهما الفرصة أيضا لممارسة دورها السياسي على الساحتين الإقليمية والدولية، وهو الدور الذي يرفضه البعض ويقبله البعض بترحيب بينما يقبله البعض بحكم الظروف وبحكم الحاجة، وهذا أمر طبيعي تمارسه دول أخرى كبيرة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، فلماذا لا تمارسه روسيا طالما لن تعتدي على سيادة أحد ولن تتدخل في الشئون الداخلية لأحد.

لقد أعطت الأزمة المالية العالمية لروسيا وضعا خاصا جديدا لم تكن تملكه من قبل، وهو وضع الدولة المانحة، أي القادرة على منح الآخرين مساعدات مالية في ظل الأزمة، سواء منح أو قروض أو غيرها، وتزداد قيمة وفاعلية هذا الدور ويزداد تأثيره في ظل عدم قدرة الآخرين من الدول الكبيرة أو المنافسة أو المناهضة لسياسة روسيا على منح المساعدات أو القروض للآخرين في ظل ظروف الأزمة، إذ لا تستطيع الولايات المتحدة أن تعطي قرضا ببضعة مليارات من الدولارات لأية دولة أجنبية في الوقت الذي تنهار فيه الشركات الأميركية العملاقة بسبب الديون والإفلاس.

وعندما اجتمع الكبار في قمة مجموعة العشرين الماضية في بريطانيا وقرروا دعم المؤسسات المالية الدولية بنحو تريليونين من الدولارات لمساعدة الدول التي تعاني بشدة من الأزمة كانت روسيا ألأكثر واقعية بينهم عندما رفضت المشاركة في هذا المشروع لأنها ملتزمة بمساعدة الدول المجاورة لها، بينما ذهب الآخرون وانفضت القمة ولم ينفذوا قراراتها ولم يجمعوا التريليونين من الدولارات،و هذا ما كانت روسيا واثقة تماما من حدوثه لأن أحدا من هذه الدول الكبيرة في ظل ظروف الأزمة المالية لا يملك المال الذي يمنحه للآخرين.

ورغم هذا وافق الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف على تقديم مبلغ 10 مليارات دولار إلى صندوق النقد الدولي ليستخدم الصندوق هذا المبلغ لمساعدة بلدان تعاني من الأزمة المالية العالمية. وأكد أن المنحة الروسية ستستخدم لإقراض بلدان تحتاج إلى الدعم المالي.

وكان الصندوق قد سحب ما يعادل 475 مليون دولار من حصة روسيا في رأسماله ليقدمها في صورة قروض إلى رومانيا والمجر. وقد تقدمت دولتان أخريان - أوكرانيا وأيسلندا - بطلب رسمي إلى روسيا لتمنحهما قروضا. ومن الممكن أن تحصل أوكرانيا وأيسلندا على المال المطلوب عبر صندوق النقد الدولي.

كما ستحصل أرمينيا من روسيا على قرض بمبلغ 500 مليون دولار، يسلم بكامله دفعة واحدة. كما تطلب بيلاروسيا من روسيا قرضا قدره تسعة مليارات من الدولارات لبناء محطة كهرذرية.

بالقطع روسيا لا تقوم بعمل خيري، ولا تعطي هذه القروض من أجل الحصول على فوائدها، لأنها لو استثمرت هذه المليارات داخل أسواقها ستدر عليها أضعاف ما تدره فوائد القروض، ولكن روسيا تمنح القروض بناء على توجهات السياسة الخارجية للدولة، ووفق مبدأ تبادل المصالح والمنفعة المشتركة، وهذه أمور لا يجب أن تغضب أحدا أو تدفع أحدا لأن يشكك في حسن نية روسيا ويدعي عليها أنها تسعى لبسط نفوذها على الدول الأخرى.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com