زحمة الأحداث الساخنة من حولنا إقليمياً، تكاد تشغلنا عن حقيقة استئناف الحرب الباردة دولياً وإن بحيثية أقل صخباً وأكثر نعومة. كثير من معالم هذه الحرب التي عهدناها سابقاً بين العملاقين السوفييتي والأميركي، تتفاعل في البيئة الدولية الراهنة.
لكن هذه المعالم تتجلى في السلوك الأميركي بأكثر مما تظهر في سياسة روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي. فالولايات المتحدة ماضية في استغلال الانكماش الروسي إلي حدود ما قبل الثورة الحمراء وشعاراتها، عبر تمدد يوحي بمحاولة تطويق روسيا من الجهات الأربع.
بعض هذا التمدد جرى باستحداث مواطئ أقدام ونفوذ في جمهوريات آسيا الوسطي، وبعضه تسلل تحت غطاء توسيع الناتو.. أو بواسطة الحليف الاتحادي الأوروبي الذي كلما زحف شرقاً خصم من المجال الجيوستراتيجي الروسي.
كثمن لهذا التوسع خطوة خطوة، قدم التحالف الغربي عروضاً اقتصادية ومالية، خالها الخارجون من تحت العباءة السوفييتية فرصاً لا تعوض. وبالتوازي مارست الأدوات الفكرية الإعلامية الدعائية دورها، ولم تقصر في مهاجمة زمن الاشتراكية والاشتراكيين مقابل عرض صورة مشرقة للرأسمالية المنتصرة كنظرية وكيانات. وبالغ البعض، فذهب إلى أن هزيمة الاشتراكية وانتصار الرأسمالية أمور نهائية إلى الأبد وأن التاريخ أغلق أبوابه ومضى.
عموماً، لم يدع الغرب روسيا وحلفاءها القدامى في حالهم غداة ما سمي بانتهاء الحرب الباردة. إنما استمر في ما اعتقد أنه حصاد ينبغي تحصيله.
وكانت تحركاته حرباً باردة ثانية. ومن طرفها، طأطأت روسيا كثيراً في هذه الجولة الجديدة، تحت ثقل أزمات متضافرة اجتماعية واقتصادية وسياسية نالت من قوتها ومن هيبتها الدولية.. فراوحت ردود أفعالها بين كثير من الرفض الكلامي واللعثمة السياسية وقليل من الصلابة أمام التعدي على مجالها الحيوي. وهي كلما تحسنت أوضاعها الداخلية علا صوتها وباحت بغضبها مما يراد بها من استضعاف وهوان.
وكان تدخلها في جورجيا أبرز وأقوي تعبير عن هذا الغضب. ويُعد الرفض الروسي القديم والمتجدد لنشر الدرع الصاروخية الأميركية في بعض دول الجوار، لا سيما تشيكيا وبولندا، أحد أهم الخطوط الحمراء الثابتة لدى موسكو في عهدي الحرب الباردة الأولى والثانية. وهي ترى أن هذه الخطوة الأحادية تعرقل، ولعلها تنسف، التقدم في مجال نزع الأسلحة النووية والاستراتيجية.
لكن الاستعصام بهذا الثابت يحتاج إلى ثمن كبير، جوهره الإنفاق ببذخ على تطوير الأسلحة المضادة لهذا الدرع وما يعرف بحرب النجوم. والعودة بالتداعي إلى سباق تسلح كلف الاتحاد السوفييتي وجوده. فهل تقع روسيا في هذا المحظور؟
كاتب وأكاديمي فلسطيني