الزيف المحيط بنا من الجهات الست يكاد يحولنا إلى رماد. كلما نظرت إلى ما يحيط بي شعرت بأنه يكاد يخنقني، وأن علي أن أكتفي بالنظر إلى الموضع الذي أقف فيه فقط، لأن ما يتجاوز تلك الحدود سيمثل لي صدمة عما قريب.. من حيث أتوقع أو لا أتوقع. كلما يممتُ شطر قبلة جديدة أعقد عليها آمال النقاء والطهر أكتشف أنها شكل آخر من أشكال الزيف والنفاق، وجسر جديد ممتد من جسور المصالح الهشة التي لا تعمر طويلا.
العلاقات الإنسانية أصبحت أقرب إلى علاقة الإنسان بأي آلة محيطة به، يقترب منها حين يحتاجها، وحين تنتهي حاجته منها لا يكاد يسأل عنها، وقد لا يتردد أحيانًا في رميها غير آسف عليها. هذا هو حال علاقات بعضنا.. ببعضنا.
كثيرًا ما نجتمع.. تجمعنا حدود المكان والزمان فقط، أما القلوب والعقول وما لفّ لفهما فهو في اتجاه آخر، قد يقع موقع النقيض تمامًا للحيز الزماني والمكاني الذي نجتمع فيه فعليًا. ما الذي أخذنا إلى هذا الطريق؟ وما الذي جعلنا شركاء في بناء مجتمع بسلوكيات لا علاقة لنا بها؟ أقول شركاء لأننا ؟ وإن كنا نرفض ذلك ـ لم نقم بفعل حقيقي يوقف مدّ هذا البحر الملوث الذي سيقضي علينا إن لم يتصد له «عقلاء قوم»، ولم نقف في وجه نار ستحرقنا وتحولنا إلى رماد عما قريب إن لم يطفئها أولئك «العقلاء».
إن أكثر ما يؤلم في الأمر هو أن بعض أفراد الطبقة المتعلمة المثقفة ؟ أي نخبة المجتمع، أي مجتمع ـ لا يتردد في ممارسة هذه السلوكيات ؟ سلوكيات الغش والخداع والتدليس ـ التي يُفترض أنه بعيد عنها، أو على الأقل يربأ بنفسه عن المشي في أوحالها، لأن العلم ـ بالإضافة إلى العوامل الأخرى المرتبطة بالتربية والتنشئة وغير ذلك - يرفع الأفراد المنتمين إليه إلى مواقع لا تمر بمثل هذه الطرق الملوّثة أو تلتقي معها، أو هذا ما هو متوقع من العلم والمتعلمين.
وإذا كان العلم لا يرتقي بأهله فليس جديرًا بأن يُقال له علم، إذ لن يكون أكثر من تلقين لُقناه حتى اكتسبنا معه شهادة تنقلنا من مرحلة إلى أخرى، وليس علمًا يرتقي بحامله وينهض به وبمجتمعه.
لغة المصالح.. لغة الزيف.. لغة الأنا قبل الآخر.. أو لغة الأنا ولا للآخر.. هذه اللغة التي أصبح الكثيرون يتقنونها، تكاد تفتك بمجتمعاتنا ونحن في غفلة ساهون. لقد تحول المجتمع إلى وجه آخر يفرض علينا الحذر والشك وإبداء التوجس والخيفة، وهو ما يثير الاستغراب حقًا، إذ كان الأصل أن نفترض حسن النية في الآخرين، حتى يصدر منهم عكس ذلك، لكننا في هذا الوقت مضطرون إلى أن نفترض العكس..
نفترض سوء النية في الآخرين، إلى أن يثبت عكس ذلك، وهو أمر لا يتحقق إلا بعد كثير من الاحتكاك والتعامل والعشرة. انقلبت موازين العلاقات الإنسانية، وأصبح الخطأ صوابًا والصواب خطأ، وأصبحت الحسابات هي التي تحكمنا.
هذا الجو نفسه من الممكن أن نجده بين أفراد الأسرة الواحدة، وليس فقط بين الجيران أو الأصدقاء (من كانوا يظنون أنهم كذلك)، أو زملاء العمل، أو الأقارب، أو غيرهم.. بل أفراد الأسرة الواحدة ممن يشتركون في كل تفاصيلهم الحياتية، لكنهم لم يستطيعوا أن يتشاركوا في أهم شيء في تلك التفاصيل، وهو راحة القلب والروح.
لذلك لا عجب حين نجد الإخوة اليوم مجتمعين على المصلحة، ومتفرقين عليها أيضًا.. يجلس أحدهم مع الآخر بدافع المصلحة المادية العارضة، ويتخلى عنه بسهولة التخلي عن قطعة أثاث قديمة أو قطعة ملابس بالية بمجرد أن تنتهي هذه المصلحة. أصبحت لغة المصالح تجمع أفراد الأسرة، وهي اللغة التي قد تفرقهم أيضا.
التحول إلى المادية البحتة داء فتك من قبل بغيرنا، وما زال يفتك به، وقد رأينا مظاهره جلية في سلوكهم الحياتي اليومي، كما رأينا آثاره واضحة كذلك على سلوكياتهم التي تنبئ أكثر من الأقوال مهما كانت بليغة ومعبرة عن حالهم المتردي، فما الذي نريده من الانسياق وراء أخطاء الآخرين وتكرارها بحرفيتها بإتقان وإخلاص؟
أمر آخر يزعج ويكدر صفو الأرواح والأمزجة، وهو استغلال بعض الناس لطيبة قلوب بعضهم الآخر. هذا ما تلخصه العبارة المكررة التي تفيد بأن الطيبة كثيرًا ما تُفهم على أنها سذاجة، وأن الطيب لا مكان له في هذا الزمان، ويمكن أن نستحضر في هذا السياق عبارات أخرى ذات صلة بها، من مثل: إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب.
هذا شكل آخر من أشكال التعامل القائم على المصالح الشخصية يظهر ولكن بطريقة مختلفة؛ فالاستغلال هنا يختلف عنه هناك، إنه يقف هنا كسيرًا، مرتديًا حلة الضعف والمذلة، مطأطئ الرأس، لا حول له ولا قوة، يشعرك أن الدنيا تبدأ عند قدميك وتنتهي عندها، حتى يصل إلى مآربه منك، ثم يولي الأدبار، إلا إن كان يخطط للاستمرار في سلسلة الاستغلال التي تبدأ ولا تنتهي عند بعضهم.
هل يدفع الناس بعضهم نحو عدم فعل الخير؟ وهل يجب علينا أن نفكر كثيرًا قبل أن نقرر مساعدة أحدهم؟ وهل من الطبيعي أن نعيش حياة قائمة على الشك في الآخرين وفي نواياهم وأهدافهم؟ وهل الناس أكثر راحة وهم على هذا النحو من العيش المتوتر؟ أو هل يشعر هؤلاء الناس بالراحة وقد أصبحوا أشبه برماد متحرك لا ملامح له ولا مشاعر ولا أحاسيس؟
أترانا نمشي في الدرب الذي يمشي فيه الآخر البعيد عنا.. لا نعرف بعضنا أو لا نكاد نعرف بعضنا.. إلا إن كانت لنا مصلحة..؟ وفيما عدا ذلك يمشي كل واحد منا في طريقه لا يسأل عن قريب ولا بعيد.. «إلا من رحم ربي».. وحين يتقدم بنا العمر سنفرغ عواطفنا التي لا تجد متنفسها الطبيعي الآن في حيوان أليف ؟ أو ربما غير أليف إن تغيرت الموضة حتى ذلك الوقت؟.. المستقبل هو الذي سيجيب.
كاتبة إماراتية