نهاية شهر يونيو الجاري هو الموعد الذي جرى الاتفاق عليه في الاتفاقية الأمنية، المثيرة للجدل، الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، لاستعادة العراق لجزء من سيادته، وهو خروج القوات الأميركية من المدن وإناطة المسؤولية الأمنية كاملة بالقوات العراقية. وقد فشل العراق حين أقر تلك الاتفاقية في تحقيق أحد أبرز أهدافه، وهو الخروج من الوصاية الدولية التي فرضت عليه وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وفق الاتفاقية سوف تحتفظ الولايات المتحدة، في نهاية عام 2011، بما يتراوح بين خمس وثلاثين وخمسين ألفاً من قواتها في قواعد خارج المدن العراقية، مجهزة بشكل يضمن فرض سطوتها على مجريات الأمور حين ترى ضرورة ذلك.

والحقيقة أن موعد انسحاب القوات الأميركية من المدن في الثلاثين من يونيو الجاري، وليس من العراق، يعيد طرح السؤال الأكثر أهمية، والذي طُرح إبان التحضير لاجتياح العراق، وهو لماذا قامت الولايات المتحدة بغزو العراق؟

الجواب عن هذا التساؤل جاء فوراً، وفي الساعات الأولى لاحتلال العاصمة العراقية، حين رابطت الدبابات الأميركية أمام مبنى وزارة النفط لحمايته، في الوقت الذي تركت فيه كل مرفق آخر من مرافق الدولة العراقية عرضة للنهب والسلب والتخريب.

ولمن لم يقتنع بهكذا جواب في حينه، فهناك الجواب نفسه الذي سيتزامن مع موعد انسحاب القوات الأميركية من المدن، وهو الإعلان عن أسماء الشركات الفائزة بعقود تشغيل حقول النفط الضخمة في العراق، وفق ما صرح به وزير النفط العراقي في العاشر من الشهر الجاري.

فقد نشرت صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية، في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، تحقيقاً موسعاً عن هذا الموضوع تحت عنوان «أضخم اندفاع نحو أسهل نفط في العالم»، وهو عنوان مثير للغاية يعكس حقيقة هامة وهي أن فرص الحصول على العقود النفطية التي ستدر أرباحاً خيالية، مضمونة تماماً للشركات النفطية العملاقة في حقول نفطية كلفة استخراج البرميل الواحد فيها لا تتجاوز بضعة دولارات.

ووفق ما تسرب من معلومات حول ذلك، فإن اثنتين وثلاثين شركة تتنافس على الفوز بعقود تشغيل ستة حقول نفطية ضخمة وحقلين للغاز، لمدد طويلة تصل إلى عشرين سنة. ومن المعروف أن العراق يعتبر واحداً من الدول التي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة محققة تصل إلى 115 مليار برميل. ومن ضمن الشركات المتنافسة: بريتيش بتروليوم، شيل، ساينوبيك الصينية، لوك أويل الروسية، توتال الفرنسية.

ورغم أن الأمن لم يستتب بعد في ربوع العراق بشكل يشجع الشركات على الاستثمار، إلا أن ذلك لا يقف عائقاً أمام الشركات ذات الشهية المفرطة، خاصة وأن هذه الحقول النفطية تقع في جنوب العراق الذي يعتبر أفضل كثيراً من الناحية الأمنية مقارنة بمناطق الوسط، من جهة، ووجود سوق رائجة للشركات الأمنية الأجنبية، من جهة أخرى.

وقد تحدث بعض التقارير عن قيام خبراء أميركيين بصياغة عقود النفط المزمع الإعلان عنها بين العراق والشركات الأجنبية، سارعت وزارة الخارجية الأميركية على لسان المتحدث باسمها، توم كيسي، إلى نفي ذلك والقول بأن وزارته قد قامت بتقديم مشورات فنية إلى وزارة النفط العراقية.

والحقيقة أن ذلك يجري في أجواء فوضى في الصناعات النفطية العراقية، إذ لم تنجح وزارة النفط على مدى السنوات الثلاث الماضية في الارتقاء بمستوى هذه الصناعات التي تعتبر الرافد الأكثر أهمية للاقتصاد العراقي، بعد التراجع الشديد الذي شهده القطاع الزراعي بسبب شح المياه والتردي الأمني وتداعي الخدمات.

وتعرض الوزير إلى الكثير من النقد وتم استدعاؤه للمثول أمام مجلس النواب لاستجوابه حول العديد من القضايا ومن ضمنها العقود النفطية. ويترافق مع ذلك بقاء الخلافات بين الوزارة وبين إقليم كردستان حول شؤون عديدة فنية وقانونية تتناول مدى صلاحيات كل طرف في التصرف في الحقول النفطية في إقليم كردستان.

ويأتي إعلان أسماء الشركات الفائزة بالعقود النفطية في أجواء رافضة، يتصدرها أعضاء لجنة النفط والغاز في مجلس النواب العراقي ومسؤولون تنفيذيون كبار في الصناعات النفطية، لأنها تلحق أضراراً بليغة بالاقتصاد العراقي، وتأتي كذلك في ظل فراغ قانوني أيضاً يجعل من الصعب تمريرها دون اقتراف مخالفة دستورية تستوجب التساؤل.

فمع أن صيغة قانون النفط والغاز الجديد قد أعدت منذ عام 2006، وأقرها مجلس الوزراء العراقي في فبراير من عام 2008، إلا أنها لم تكتسب الصبغة الشرعية بسبب الفشل في تمريرها في مجلس النواب، وذلك لوجود خلافات عميقة حولها، منها ما يتعلق بموقف حكومة إقليم كردستان، ومنها ما يتعلق ببنود القانون نفسه الذي يسمح بإبرام عقود مشاركة تصل حقوق الشركات النفطية الأجنبية فيها إلى خمسين بالمئة من العائدات، ومنها ما يتعلق بتقزيم شركة النفط الوطنية العراقية، وهذا مما لا يحظى بموافقة العديد من نواب المجلس.

ورغم ذلك، فقد مضت الحكومة العراقية في إجراءاتها بإعداد العقود النفطية على أساس أن هذه الإجراءات كان معمولاً بها أبان العهد السابق متناسية بأن جميع ما كان يتعلق بالصناعات النفطية قد أصبح بأيد عراقية بعد ثورة الرابع عشر من يوليو عام 1958.

فقد صدر القانون رقم 80 لسنة 1961 ليحصر حقوق الشركات النفطية بالحقول المستثمرة فعلاً آنذاك، في خطوة نُزع فيها امتياز البحث والتنقيب من الشركات الأجنبية مما يقرب من 99 % من الأراضي التي كان لها امتياز التنقيب فيها. وجاء العام 1973، لتقوم الحكومة العراقية بتأميم ما تبقى من الحقول التي بقيت في حوزة تلك الشركات، حيث أصبح العراق البلد الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يستغل ثرواته النفطية بقدراته الذاتية.

قد لا يكون الطريق سالكاً تماماً لتمرير هذه العقود، فالدستور العراقي الذي أُقر عام 2005 ينص على أن عقود النفط يحددها قانون النفط والغاز الذي لم يحظ حتى الآن بالوضع الشرعي، وليس من مصلحة الحكومة خوض معركة مع مجلس النواب الذي يتسلح الرافضون فيه لهذه العقود بالهوية الوطنية للعراق، خاصة وأنه لم يتبق الكثير لموعد الانتخابات النيابية.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae