شهدت روسيا سلسلة من لقاءات القمة المهمة التي عقدت خلال الأسابيع الماضية، بدءا من قمة منظمة الأمن الجماعي، والتي صادقت على خطة تشكيل قوات الانتشار السريع لمواجهة الإرهاب والتطرف وتجارة المخدرات، ومرورا بقمة منظمة شنغهاي للتعاون، والتي وضعت أسس جادة للتعاون الاقتصادي بين دول وسط وشرق آسيا لتجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية.

وانتهاء بقمة مجموعة «BRIC» التي ضمت البرازيل وروسيا والهند والصين، وحددت المحاور الأساسية التي يمكن أن تتعاون فيها الدول المشاركة في القمة لمواجهة مضاعفات الأزمة المالية. ولم تتوقف الجهود الروسية عند هذا الحد بل أجرى الرئيس الروسي ميدفيديف لقاءات قمة مع نظيره الصيني وقع خلالها أكثر من 9 اتفاقيات ذات طابع استراتيجي، كما وقع مع الرئيس المصري مبارك 5 اتفاقات تعاون مهمة.

بعبارة أخرى بدأت روسيا تتحرك نحو كل شركائها برؤية تدعو للتعاون في مواجهة مخاطر الأزمة المالية العالمية، ويمكن القول أن هذه الخطوات هي الترجمة العملية لسياسات موسكو التي أعلنتها منذ بداية الأزمة، والتي استندت إلى دعوة صريحة بالبحث عن حلول جماعية تعتمد مبدأ التعاون، لا مبدأ تصدير الأزمة للآخرين. وهو ما جسده وزير المالية الروسي كودرين في اجتماع وزراء مالية الثمانية الكبار عندما أعلن أن روسيا لا تنوي تقليص احتياطي الدولار في السلة الروسية للعملات الصعبة، ما أدى لارتفاع أسعار الدولار في أسواق المال العالمية.

من الواضح أن تقلص حجم الاقتصاد الواقعي في مواجهة اقتصاد المضاربات كان من أهم أسباب الأزمة المالية، ويلجأ البعض لحل الأزمة وتجنب تداعياتها على حساب الآخرين، عبر تصديرها إلى بقية الأسواق بمختلف السبل، إلا أن موسكو لا ترى أن هذا الحل يمكن أن يحقق للاقتصاد الروسي الاستقرار والانتعاش المطلوبين للنهوض بالظروف المعيشية للمجتمع الروسي.

من جهة أخرى تسعى روسيا لحشد شركائها على أعتاب قمة الثمانية الكبار ولقاء ميدفيديف ـ أوباما للتأثير على بقية أطراف المجتمع الدولي وإقناعهم بعدة حقائق منها:

1- صياغة رؤية دولية للخروج من الأزمة المالية تضمن عدم حدوث انهيارات.

2- احترام مصالح وحقوق كافة أطراف المجتمع الدولي بما فيها المصالح الروسية.

3- مراعاة مصالح بقية الدول لما يعنيه ذلك من حماية للنظام العالمي من اختلال التوازن وانهيار هذا النظام.

واستنادا لذلك لا تجد روسيا بديلا عن ضرورة قبول المجتمع الدولي لنظام تعدد القطبية الذي يشكل المخرج الوحيد والسبيل الناجع لتقليص تداعيات الأزمة المالية، وحماية النظام العالمي الجديد. بما يحققه من تنوع وتوازن بين مختلف أطراف المجتمع الدولي. ويضمن عدم انهيار أحد هذه الأطراف، وما يمكن أن يسببه هذا الانهيار من تداعيات ضارة على الاقتصاد العالمي، وهذا ما كشفت عنه الأزمة المالية العالمية، حيث ما لبث أن اندلعت الأزمة في الولايات المتحدة حتى انتشرت وبسرعة غير عادية في مختلف أرجاء العالم.

وتجد التوجهات الروسية أصداء إيجابية لدى بعض الدول الغربية، وهو ما لمسناه بوضوح في موقف برلين المساند لمبادرة الرئيس ديمترى ميدفيديف الخاصة بعقد معاهدة طاقة شاملة، بوسعها المساعدة على تطوير قطاع الطاقة في أوروبا. حيث أعلن وزير الخارجية الألماني فرانك فالتير شتاينماير أنه لابد من اعتبار أمن الطاقة بمثابة ثروة مشتركة، مشيرا إلى أن مبادرة ميدفيدف تستهدف استحداث «إدارة حقيقية للطاقة في أوروبا». ولعل مبادرة ميدفيدف أحد محاور التفاهم ومن سبل مواجهة الأزمة المالية الهامة، والتي تسعى لحماية مصالح كافة أطراف المجتمع الدولي، لا تصدير الأزمات لهم.

وقد كشفت الأزمة المالية عن أن النظام المالي العالمي يحتاج لإصلاحات جدية، لتجنب أزمات مستقبلية، بدءا من إعادة توزيع الحصص في المؤسسات المالية العالمية وفق القوة الاقتصادية للدول المشاركة، وانتهاء بصياغة استراتيجية إصلاح المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، ونظام التحكم، تراعى مصالح كافة أطراف المجتمع الدولي، ولا تعتمد مبدأ النفوذ السياسي. ولا شك أن هذه الإصلاحات تتطلب التوصل لتفاهم جماعي واحترام لمصالح كافة الدول.