لم يحدث أن واجهت السياسة الخارجية البريطانية لغطاً وجدلاً وتشاكساً داخلياً على كافة الأصعدة الحكومية السياسية والشعبية المدنية، كالذي حدث بين يدي قرار المشاركة في الحرب على العراق. وهو أمر لم ينقطع أثناء الحرب ولا بعدها.
من مؤشرات الخلاف الاستثنائي على هذه القضية أنها أثيرت في الأروقة البرلمانية لأكثر من ستين مرة خلال الأعوام الستة الماضية. علاوة تشكيل عدد من لجان التحقيق بشأنها؛ أشهرها لجنة باتلر لعام 2004، التي أدانت في حينها أداء أجهزة الاستخبارات البريطانية بحسبها «أورطت الدولة في حرب استنادائلأكاذيب وتلفيقات».. لكنها برأت ساحة رئيس الوزراءئبلير باعتباره تصرف «بحسن نية»!.
التطورات اللاحقة، أكدت عدم اقتناع المحافظين والليبراليين بنتائج تحقيقات باتلر، ونسبوها إلى رغبة حزب العمال في إبراء ذمته وطي الغضب والاستياء الشعبي من قرار، كلف الدولة صورتها وسمعتها في العالمين العربي والإسلامي وعددا من القتلى والجرحى وبضعة مليارات إسترلينية.
في منتصف يونيو الجاري أطل رئيس الوزراء براون على البريطانيين ومن يعنيهم الأمر بدليل آخر على استمرار سخونة التناظر بشأن القرار إياه، هو الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق شامل في ظروف اتخاذ هذا القرار في حينه. وقيلئ بأن اللجنة ستكون مستقلة غير حزبية؛ تضم خبراء سياسيين وقانونيين وعسكريين وأمنيين ودبلوماسيين.
وسيكون من صلاحياتها استدعاء من تشاء من المسؤولين، وطلب الكشف عما تشاء من وثائق وأوراق ذات صلة، وسوف تعمل لعام كامل، يبدأ فور خروج الجنود البريطانيين من العراق بحلول نهاية يوليو القادم.. وهذا كله بشكل سري.
يفترض أن هدف التحقيق طبقاً لبراون وحكومته هو الوصول إلى حقيقة ما جرى والسعي لاستلهام العبر والدروس. غير أن المنشغلين بجدل قرار الحرب داخل بريطانيا وخارجها مازالوا متشككين في صدقية تحري هذا الهدف.
سرية التحقيق وامتداده الزمني غير المبرر وتوقيت الإعلان عنه في ظل أزمة طاحنة تكاد تطيح برئيس الوزراء وحكومته، أسباب كافية لهذه الشكوك. والأرجح أن لجنة التحقيق هذه لا يمكنها بالفعل الإطلاع على كل الوثائق، وبعضها بنظرهم فضائحي، الموصولة بالموضوع العراقي بين عامي 2001و2009.
الدول التي تقع في خطيئة شن حرب غير شرعية ولا مشروعة؛ تتعارض مع إرادة شعبها والعالم إرضاء لأوهام قادة مهووسين، لا تتيح كل معلوماتها بالخصوص في أجل قصير وأحياناً لقرون!. فكيف بوثائق قرار وحرب كانا الأكثر إضرارا ببريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟.