جاءت الانتخابات المحلية المغربية التي أجريت الأسبوع الماضي، لتجعل معظم المراقبين يرجحون أن المغرب على أعتاب تشكيل خريطة سياسية جديدة، ذلك أن نتائج الانتخابات أظهرت فوز حزب الأصالة والمعاصرة بمعظمها. فقد حصل على 6015 مقعداً أي بنسبة 21.7 في المئة من الأصوات متقدماً على حزب الاستقلال المشارك في الحكومة والذي حصل على 5292 مقعداً أي بنسبة 19.1 في المئة.

وجاء بعد الحزبين بالترتيب كل من أحزاب: التجمع الوطني للأحرار، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ويليها في الترتيب الحركة الشعبية وحزب العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري. ولم يُثر هذا الفوز، الكثير من الدهشة، ولم تُبد الأحزاب التي يُعتقد أنه أخذ نصيبها من المقاعد في المجالس البلدية غضبها الشديد.

وذلك على الرغم من أن الحزب حديث الولادة ولم يمض على تأسيسه سوى 10 أشهر ولا يمتلك قاعدة تنظيمية أو قدرات سياسية تؤهله للحصول على هذا الفوز، حسب الأوساط الحزبية المغربية، إلا كون مؤسسه وزعيمه فؤاد عالي الهمة صديقاً للملك محمد السادس.

وقد أسس عالي الهمة حزب الأصالة والمعاصرة العام الماضي على أيدي ناشطين من خمسة أحزاب صغيرة ومثقفين يساريين. ويطرح الحزب نفسه كبديل للإسلاميين ولحزب المستقبل وسعى للتغلب على عدم اهتمام الناخبين من خلال وعود بمواصلة الالتزامات السياسية.

وغياب الدهشة والغضب أمر مفهوم إذا ما لاحظ المتتبع للحياة السياسية المغربية منذ إعفاء عالي الهمة من مهامه الرسمية كوزير في الداخلية وإعلانه في صيف 2007 خوضه غمار الانتخابات التشريعية، حالة الدهشة والغضب التي طبعت تعاطي الأحزاب مع ما تلي فوز الهمة بمقاعد دائرته الانتخابية الثلاثة وتشكيل فريق برلماني يحتل المرتبة السادسة (من حيث الحجم) وتأسيس جمعية للتفكير والتفعيل، بحجم أكبر من منظمة مجتمع مدني وأقل من حزب سياسي، أطلق عليها اسم «حركة لكل الديمقراطيين» ضمت في صفوفها يساريين راديكاليين سابقين.

الأمر الذي يعنى أن هناك قراراً ما بإعطائه مساحة واسعة في الحياة السياسية المغربية، وهو ما يعني أن المؤسسة الملكية قررت التخلي عن حذرها وحيادها والانخراط بصورة أكبر في الحياة السياسية.

وهذه التراتبية التي تمخضت عنها الانتخابات المحلية المغربية تؤكد أن تغييراً ما طرأ على الخريطة السياسية، التي كانت قد تدشنت في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في سبتمبر من عام2007 حيث تقدم حزب الاستقلال ــ محافظ وسط ــ باثنين وخمسين مقعداً، تلاه حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية بسبعة وأربعين مقعداً، وجاء حزب الحركة الشعبية ثالثاً، فيما احتل التجمع الوطني للأحرار المرتبة الرابعة بثمانية وثلاثين مقعداً. وتراجع حزب الاتحاد الاشتراكي إلى المرتبة الخامسة بستة وثلاثين مقعداً.

ولكن هل المغرب بالفعل على أعتاب خريطة سياسية جديدة؟ من الصعب الجزم بذلك لأن جزءاً من النتيجة التي حققها الحزب ترجع إلى أمرين الأول انه مكون من 5 أحزاب متواجدة بالفعل في العمل السياسي منذ سنوات، أي انه جير أصواتها وشعبيتها لصالحه، والثاني أن الخلافات الداخلية في أحزاب الائتلاف الحكومي، وأيضاً بين الأحزاب بعضها البعض، دفعت الناخبين إلى البحث عن بديل آخر، فضلاً بالطبع عن التصويت العقابي الذي اتجه إليه نسبة من الناخبين ضد الأحزاب التقليدية بكل اتجاهاتها، دفعت الحزب إلى الأمام، بصورة مؤقتة وليست دائمة.

والذي يمكن أن يعطي لهذا الطرح موضوعيته هو أن الخريطة السياسية المغربية هي خريطة شبه مستقرة منذ الاستقلال وحتى الوقت الراهن ولم تحدث فيها أي تغييرات دراماتيكية، إلا بصعود حزب العدالة والتنمية الممثل للإسلاميين إلى المركز الثاني.

وكانت هذه الخريطة تتسم بالاستقطاب بين كتلتين رئيسيتين هما «الكتلة الديمقراطية» وتضم أحزاب اليسار وهي: الاتحاد الاشتراكي، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الاشتراكي الشعبي، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

أما الكتلة الثانية فيطلق عليها مسمى الوفاق أو الموالاة وتضم الأحزاب التي كانت قريبة من القصر الملكي في عهد الملك الحسن الثاني وتضم أحزاب: الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والوطني الديمقراطي والحركة الديمقراطية الاجتماعية.

وقد حاول القصر تأسيس أحزاب تقف في منطقة الوسط بين التيارين لكنها انتهت عملياً إلى أن أصبحت جزءاً من كتلة الوفاق وعلى رأسها حزب الوفاق الذي أسسه احمد عصمان الذي كان ينتمي بصلة نسب إلى الملك الحسن الثاني عاهل المغرب الراحل.

وهناك احتمالات كبيرة بأن يكون مصير الأصالة والمعاصرة هو نفس مصير هذا الحزب. وبالتالي فإن الاختراق الأساسي جاء من دخول الإسلاميين كطرف ثالث في المعادلة، ممثلين في العدالة والتنمية الذي كان يعرف باسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية وصنفه المحللون باعتباره إسلامي معتدل وهناك من اعتبره قريباً من القصر الملكي وأطلق على أعضائه لقب إسلاميي القصر الملكي.

وحزب الأصالة والمعاصرة مازال خارج التشكيلة الاجتماعية المغربية، فحتى الآن مازلنا لا نعرف أي قوى اجتماعية تدعمه، ومازلنا لا نعرف إلى أي اتجاه سياسي يمكن تصنيف هذا الحزب، هل هو وسط أم يمين أم يسار، وهذا الأمر سيظهر مع التجربة العملية في المجالس المحلية التي سيسيطر عليها أعضاؤه. فنتائج هذه الانتخابات هي التي ستظهر حقيقة الحزب من حيث البرنامج والقاعدة السياسية، بعدها يحتل موقعه الحقيقي في الخريطة السياسية المغربية.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail. com