بعد أن عرض الرئيس الأميركي أوباما إغلاق معتقل غوانتانامو خلال سنة، دار جدل عميق حول مشكلةٍ لا سابقة لها، موجزها البحث عمن يستقبل نزلاء المعتقل!. ومؤخرا، قبلت دول أوروبية باستقبال بعض هؤلاء النزلاء. هذا يشي بأن المشكلة باتت على طريق الحل. غير أن ما أثارته من جدل لا يخلو من دلالات. بهذا الخصوص، قال المسؤولون الديمقراطيون في الكونغرس والبيت الأبيض انهم لا يملكون خطة تفصيلية لتبييض غوانتانامو.

ولكن لماذا كان هذا التوجه أصلا؟ السببان اللذان تم تداولهما بهذا الخصوص متناقضان.. فأولهما بدا إنساني الوجه واللسان، وهو أن الولايات المتحدة تخشى على حياة المعتقلين إن أعادتهم إلى دولهم الأم التي تتوعدهم. وثانيهما عبر عن العكس، وهو أن واشنطن ترغب في التخلص من عبء غوانتانامو، لكنها تخشى من عودة معتقليه إلى أنشطتهم الإرهابية إن أطلق سراحهم!.

عندما كان يسأل الأميركيون عما إذا كانت بلادهم تخلو من سجون تتسع لنحو مئتي سجين إضافي، كانوا يردون بأن تحويل معتقلي غوانتانامو إلى أميركا يهدد أمنها!. وهو رد يتجاهل أن في الولايات المتحدة أكثر من مليوني سجين، وأن للآخرين أمنهم أيضا. في هذا الإطار كان الأوروبيون، الذين طالبتهم واشنطن بمساعدتها واستقبال المعتقلين، أكثر منطقية وتفهماً للمسألة بمختلف جوانبها.

فهم رحبوا بقرار إخلاء غوانتانامو ومد يد العون لطي صفحته السوداء المسيئة لتاريخ مكافحة الإرهاب.. لكنهم سعوا إلى تحقيق هذا الهدف على نحو معقول ومتوازن، كأن تبادر أميركا ذاتها إلى استقبال بعض المعتقلين لأن الأمن الأميركي ليس أثمن من أمنهم.

أيضاً أثار الأوروبيون تساؤلات ذات مغزى. مثل، هل يحق لهم إطلاق سراح بعض المعتقلين؟، هل يمنح هؤلاء عندئذٍ حق الهجرة إلى البلاد الأوروبية والاستيطان فيها؟. وهل سيجري إخضاعهم للمراقبة، ولأية فترة؟. هذا علاوة على المخاوف الأوروبية والأسترالية من تداعيات المعارك القضائية التي قد يخوضها المعتقلون إذا ما أفرج عنهم ضد المسؤولين الأميركيين.

على هامش القضية، ثمة سؤال جامع جدير بالتأمل: إذا كان معتقلوا غوانتانامو لا يشكلون خطراً أمنياً، فلماذا لا تستضيفهم الولايات المتحدة. أما إن كانوا خطرين حقاً، فأي سبب يدعو الآخرين للترحيب بهم؟. تقديرنا أنه لا جديد في التعاطي الأميركي مع هذه القضية. فالشائع أميركياً هو اتخاذ خطوات انفرادية بقرار أحادي، ثم البحث عن مخارج للمآزق الأميركية عبر إشراك الآخرين ومحاولة تحميلهم أوزار سياساتها وخطواتها المتسرعة البائسة.

mohamedalazzar@hotmail.com