أولادنا لا يستطيعون لحظة الاعتماد على غير تقنيات الكمبيوتر، لدرجة أنهم شطار فيه أكثر من مدرسيهم، واسأل أي صبي لم يتجاوز الخامسة عشرة عن تفصيلة معقدة في الكمبيوتر وسوف يجيبك إجابة تذهلك.. بعضهم وصل إلى العبقرية فيه وصارت له قدرات ومواهب، هكذا بالفطرة، بالتعليم الذاتي والمجاراة والتجريب، وأعرف صبية «معلمين» كمبيوتر، ولدينا في البلاد نماذج تتحدث عنها الناس، كيف أن عبقرية بعضهم قادتهم للعمل في مؤسسات كبرى.. حتى أطفالنا الصغار والمهووسين بالألعاب، صاروا «حرّيفة» بل ويبتكرون ويزيدون عليها، وأجزم، دون مبالغة، أن غالبية الآباء وغالبية الأمهات لو طلبت منهم الاعتراف بغلبة أبنائهم عليهم في «الكمبيوتر» لاعترفوا وهم يهللون فخراً بهم.

يعني أولادنا «عايشين عيشة» تعتمد على التقنية الحديثة، بل وصارت هوسهم.. في مقابل هذا، وبالرغم من اعترافنا جميعاً بأهمية تكنولوجيا المعلومات، وتقنياتها واعترافنا بقدراتها الهائلة على اختصار الوقت، ودعم التعليم والتواصل والمشاركة والفعالية وقدرتها على تحسين الأداء وتوفير المعلومات بسهولة ويسر، بالرغم من كل هذا ومن كل ما أنجزناه في سبيل توظيف التكنولوجيا في التعليم وفي حياة أبنائنا ما زلنا نتعامل معهم بالقليل القليل مما يحتاجونه حقاً، لم يصل استخدامنا للتقنية الحديثة في التعليم إلى الدرجة التي تواكب حجم استخدامهم لها خارج نطاق المدرسة.

هذا البون الشاسع، بين واقع أولادنا وواقع حياتهم الدراسية هو الذي يجعلهم خارج المحتوى.. حدث خلال العام الدراسي الماضي، وفي حصة من حصص الكمبيوتر، في إحدى المدارس أن صحح صبي خطوة على الحاسب الآلي لمدرسه! وأعتقد أن غيري أيضاً سمع بحوادث مشابهة.. هذا هو البون الشاسع، وهذه هي الفجوة بين مقدرتنا ومقدرة أبنائنا.. شطح الصغار في عالم الكمبيوتر عملياً فيما آباؤهم ما زالوا يتهجون أبجدياتها الأولى.

بعض المدارس استطاعت أن توفر خدمة التعامل بالبريد الإلكتروني وعبر الموقع الذي تخصصه لطلبتها، هذه المدارس تجد تجاوباً من الطلبة، لأنهم أكثر إقبالاً على التعامل من خلال الكمبيوتر، فصار كثير منهم يؤدي واجباته، وإن تغيب عن المدرسة لا يفوته شيء، لأنه سيجد ملاحظات الدرس على الموقع أو القسم الخاص بطلبة فصله ومدرسيه.

مدير مدينة دبي للإنترنت قال قبل يومين، في محاضرة عن التكنولوجيا والتعليم إن المؤسسات التعليمية بحاجة إلى جلب قدرات جديدة للمناهج التعليمية لمواكبة تطورات العالم الرقمي، وأشار إلى أن هناك ضرورة ملحة لعقد شراكة بين التكنولوجيا والتعليم.. صحيح، لدينا شيء من هذه الشراكة قد تحقق، ولكنه مازال دون الطموح، ولسبب وحيد، هو أن «أولادنا يسبقون الواقع».

mhalyan@albayan.ae