عندما كنت في الخامسة من العمر، وقعت معي حادثة علقت بذاكرتي حتى هذه اللحظة شخصياتها وأحداثها ومكانها بكل تفاصيلها الدقيقة. حيث كنا مجموعة من الأطفال نلعب وصادف أن وقع بيني وبين الآخر (الذي كان في نفس عمري وكان وزنه ثلاثة أضعاف وزني شحما ولحما وعضلات)، خلاف انتهى في ثوان عندما دفعني دفعة واحدة ألقتني أرضا وجثم على صدري يريد أن يحتز رأسي، وكان ردي الوحيد هو أني أشبعته مجموعة من السباب والشتائم الحادة.

وما أن تخلصت منه بصعوبة حتى سلمت قدميّ للريح ركضا إلى والدي الذي كان بالمصادفة يتحدث إلى والد ذلك الغلام. فشكوت له ما حصل. فأراد والد ذلك الطفل أن يذهب ليؤدب ابنه وليحافظ على علاقة العائلتين، غير أن والدي منعه من ذلك وأذكر أنه قال للرجل ضاحكا: (اتركهما، فابني هو المخطئ ويستاهل.. لأنه لو امتلك البنية الجسدية التي لدى ابنك لما حدث له ما حدث!)...

هذه الحادثة ذكرتها وأنا أقرأ مقالة كتبها عبد الباري عطوان على موقع إيلاف حول العبر والدروس التي يجب أن نستخلصها من الانتخابات الإيرانية. ولكنه أثناء حديثه أشار كعادة الكتاب العرب القوميين بالذات إلى أن لإيران طموحات غير معلنة في المنطقة. وهذا الموضوع تحديدا كتب حوله الكثير منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية (وهي حرب خطط لها عندما شعر الغرب بتعاظم قوة البلدين في المنطقة)، وكذلك بعد تدخل إيران في الشؤون العراقية عندما أحست بضعف الموقف الأميركي.

ونحن ـ العرب ـ منذ عقود ليست لنا صنعة نتقنها إلا صنعة تحرير خطابات الشكوى إلى الأمم المتحدة، والتنديد في مؤتمرات القمم، والبكاء على الأطلال. منذ 60 عاما وفلسطين محتلة ولم يستطع ملايين العرب من رد شبر واحد، ثم جاء دور السودان والحركات الانفصالية في الجنوب والأطراف السودانية في حالة مواجهة دائمة، وهلم جرا.

قبل سنوات كانت الشكوى من احتلال العراق ثم من تقسيمه إلى شظايا، ثم الشكوى من تهديد إسرائيل للبنان والمنطقة ومن مهاجمة لبنان وتشريد أهله، وهذه الأيام تحولت الأنظار إلى إيران والخوف من (التمدد) الإيراني في الجزيرة العربية وسواحل الخليج العربي.

وبعد أن شبعنا لوما للولايات المتحدة من مساندتها للغطرسة الصهيونية، اتجهنا إلى لوم إيران من تصرفاتها المستفزة أولا باحتلال الجزر، ثم بالتدخل في شؤون لبنان ودعم المقاومة، وبعدها من فتنة محاولات نشر المذهب الشيعي في مصر، ثم جاءت قصة الملف النووي وتهديد جيرانها، واليوم نحن مشغولون بانتقاد نتائج الانتخابات والتخوف من نتائج إعادة فوز محمود أحمدي نجاد.

كل لومنا وشكوانا صحيحة ولكنها يجب أن تأتي في النهاية، واللوم الأول والأخير يجب أن يقع على من لم يحاول تقوية عضلاته ليتمكن من الدفاع عن نفسه.

العرب مازالوا غير مستوعبين لأسباب احترام الغرب لإيران والصين والهند واليابان ولا يعيرنا أي اهتمام وكيف أن الغرب الذي يكره إيران يحسب ألف حساب لها ولا يحسب لنا حسابا، هناك فرق بين الاحترام والعداوة. صحيح أن الغرب يجد في النظام الإيراني عدوا لدودا لمخططاته الاستراتيجية في المنطقة وتهديدا صريحا لمصالحه الاستعمارية والعسكرية، لكنه في قرارة نفسه يخشاه ويعمل حسابه في المساحة الجغرافية الممتدة من الحدود الشرقية لأفغانستان حتى حدود الشواطئ الشرقية للمحيط الأطلنطي. وهذا هو الخطر الحقيقي للغرب.

كل التهديدات الخارجية علينا وضدنا منطقية وطبيعية وواردة ويجب أن نستوعبها جيدا ونقبل بها ما دمنا غير قادرين على ردع تلك التهديدات بأنفسنا وبعيدا عن الشكوى المستمرة التي فقدت طعمها.

إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها، إيران تستطيع الدفاع عن نفسها، تركيا تمكنت من الدفاع عن نفسها، إلا نحن... عاجزين عن ذلك. مما اضطر خيرة العرب من علماء وخبراء ومهنيين ومهندسين وأطباء ومحامين وحتى شعراء اضطروا اضطرارا إلى هجرهم بلدانهم إلى دول تبعد عنهم آلاف الأميال للحصول على الخبز والأمن والإحساس بالانتماء لدول قوية.

إننا ننتمي لهذه الأمة شئنا أم أبينا، ونحن راضون بما كتب الله علينا شئنا أم أبينا، ونحن وأبناؤنا دماؤهم وأرواحهم وأرواحنا فداء لهذا الوطن ولترابه الذي ولدنا عليه أيا كانت توجهاتنا ومذاهبنا وأصولنا وأسماؤنا.. لذا يحز في أنفسنا أن نصحو كل صباح على صوت الطبول ولا نرى فرحا، و(نسمع جعجعة ولا نرى طحنا).

باختصار.. نريد أن تكون لنا قوتنا الرادعة كغيرنا.. فهل إلى ذلك من سبيل حتى لا نحتاج إلى البكاء في أحضان أمهاتنا؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com