فاز المهندس المدني محمود أحمدي نجاد، ابن الحداد؛ الطالع من أسفل السلم الاجتماعي الاقتصادي، بالرئاسة الإيرانية. وللمرة الثانية في غضون أربعة أعوام تفشل توقعات أبطال الدراسات والتشوفات المستقبلية وتحليلاتهم.

في المرة الأولي، قالوا إن الرجل الضامر ذا الخبرة السياسية المحدودة التي لا تزيد على رئاسة بلدية طهران لعامين؛ صاحب الرداء الحديث والعقلية المحافظة، لن يتمكن من مغالبة منافسه هاشمي رفسنجاني.

فالأخير، سياسي محنك واسع الشعبية ومفتاح أسرار النظام الإسلامي والمنوط بتشخيص مصلحته. لكن ما حدث أن العصامي نجاد شبه المجهول للأوساط الدولية هزم رفسنجاني، مفاجئاً بذلك المتابعين عن قرب وعن بعد وأكثر الناس دراية بسيرورة العملية السياسية في إيران.

أثناء رئاسته الأولى، عرض نجاد صورة مغايرة شكلاً ومظهراً للقادة المعممين الذين اشتهروا قبله في طهران. لكنه بالتوازي بدا من حيث المخبر والخطاب شديد المحافظة، ملتصقا بأعلى المرجعيات الدينية السياسية؛ قادرا على ترجمة رؤاها الداخلية والخارجية. وهو للإنصاف أبحر بطهران في أجواء شبه عاصفة، متصدياً لقضايا شديدة التعقيد والسخونة.

على أن المفاجأة كانت في المرة الثانية أوقع إلى حد الصدمة. ففي حمأة المنازلة الانتخابية وصف نجاد من قبل منافسيه الثلاثة الأشداء بالفاشل؛ الغوغائي؛ سطحي التفكير؛ الذي أخفق في إنجاز وعوده الاقتصادية في التصدي للفقر وارتفاع الأسعار والتضخم والبطالة. أما سياسياً فقد أظهروه مسؤولا عن عزلة البلاد ومراكمة التوجس منها إقليمياً والعداء لها دولياً.

لا ندري لماذا تجاهل هؤلاء أن ما ينسبونه إلى عهد نجاد في إيران قابل للتعميم والعولمة، كون الأزمة الاقتصادية المالية الغذائية تأخذ برقاب الجميع من طوكيو إلي واشنطن!.

وسياسياً، فات هؤلاء أن الانتخابات الأخيرة واكبت تحولات في المعالجة الأميركية للملف الإيراني النووي وغير النووي، على نحو يفترض أنه لصالح نجاد المفاوض، بحسبه أرغم واشنطن على اعتماد وسائل أكثر ليونة.

الشاهد أن معظم التوقعات أنزلت نجاد عن سدة الرئاسة مسبقا.. ولو أنه انصاع لهذه الآراء المثبطة لكان أولى به إعلان الانسحاب من السباق الرئاسي!.

فقد بلغ الأمر بالبعض أن تنبأ بحدوث «زلزال سياسي يطيح بنجاد عبر اتفاق بين قيادات النظام على انقلاب تتوجه الانتخابات..»!.

ننصح صناع السيناريوهات التي تخلط المعرفة بالأمنية بأن يتواضعوا. فمازالت الحسابات البشرية عصية على الضبط المعملي، ومازالت الشعوب صناديق مغلقة لا يعلم أحد على وجه اليقين، ما يخرج منها إذا ما فتحت أقفالها.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com