إذا قيس نفوذ العسكر في مختلف الدول بحجم الأموال المخصصة للإنفاق العسكري، أمست الولايات المتحدة أقرب إلى «الدولة المعسكر» بامتياز!. بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام تقول بأن الولايات المتحدة تشغل المرتبة الأولى دولياً في مجال تخصيص الأموال للتسلح..

وأنها مسؤولة عن 58% من الزيادة في مجمل الإنفاق العالمي على المجالات العسكرية. ويمضي اخر تقرير للمعهد إلى أن نفقات «الدفاع» الأميركية وصلت عام 2008 إلى 607 مليارات دولار.

ولما كان العالم برمته قد أنفق في 2008 نحو 46 .1 تريليون دولار على الشؤون العسكرية، فإن الولايات المتحدة تكون وحدها قد أهلكت زهاء 41% من هذا الرقم الفلكي. هذه الحقائق تثير أكثر من مفارقة وتساؤل موجزها بعامة هو كيف يلتقي موقع النظام الأميركي الرائد ديمقراطياً مع كونه أكثر النظم عسكرة للمال؟

سيجادل البعض بأن العسكرة النظامية شيء والإنفاق على الدفاع والتسلح شيء مختلف. فالعسكرة تعني سيطرة الجنرالات على سدة الحكم وصناعة القرار، وهذه حالة لا يعرفها النظام الأميركي.

عيب هذه الملاحظة يكمن في سطحيتها وإغفالها للتفصيلات، التي تقول بأن إنفاقاً عسكرياً متوحشاً، لابد أنه يتعلق ويرتبط بمصالح واسعة اقتصاديا ومالياً وبالتأكيد سياسياً.

من المفارقات اللافتة الأخرى في التقرير أن الإنفاق العسكري تعرض للارتفاع خلال 2008 على المستوى العالمي بنسبة 5,4% مقارنة بالعام ,2007. لكن الشرق الأوسط وحده شهد تراجعاً على هذا الصعيد. هذا مع أن هذه المنطقة تعد الأكثر سخونة تقريباً وفي رحابها تتفاعل بعضاً من أقدم الصراعات المعروفة وأخطرها.

ولا يبدو التقرير مقنعاً حين يعزو هذه الظاهرة إلى تأثير الأزمة المالية العالمية، التي كان يفترض أن تعكس نتائجها بشكل أوضح على إنفاق الدول الأخرى الأكثر تضرراً منها. الأمر وما فيه أن دول الشرق الأوسط تعاني على الأرجح من تخمة في التسلح لم تدع زيادة فيها لمستزيد.

ويوحي لنا التقرير من طرف خفي بأن الدول مازالت تتخذ من تسمين مؤسساتها العسكرية ومراكمة التسلح معياراً لمقامتها على سلم المكانة الدولية. هذا ما يفهم من سلوك الصين وروسيا اللتين ضاعفتا لعدة مرات نفقاتهما العسكرية خلال السنوات العشر الأخيرة.

المؤلم في هذا الإطار أن العالم برمته يخصص 4,2% من ثروته للإنفاق على التسلح، ولو حولت هذه الموازنات إلى قطاعات خدمية إنسانية كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية ومحاربة الفقر والجوع، لكنا بصدد عالم آخر أجمل.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com