لا شك أن روسيا تطمح كثيراً إلى ربط جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بها في جميع المجالات خاصة الأمنية والعسكرية، ولا يعني هذا أن روسيا تريد فرض هيمنتها على هذه الجمهوريات، لكنها تسعى في الحقيقة إلى تأمين مصالحها وأمنها وسلامة حدودها.

خاصة وأن الفناء السوفييتي يتعرض منذ تفتيته لمحاولات من عدة جهات أجنبية للتغلغل فيه، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وأيضاً تركيا وإيران وغيرهما، وروسيا تشعر أنها مستهدفة من بعض هذه الجهات خاصة واشنطن وحلف «ناتو»، ولهذا سعت لتأسيس تشكيلات ومنظمات مشتركة مع جيرانها.

وزاد اهتمام روسيا بهذه المنظمات في الآونة الأخيرة مع تفاعل الأزمة المالية العالمية وزيادة حاجة جيرانها لمساعداتها المالية والاقتصادية، ولكن روسيا لا تريد أن تكون مجرد فاعل خير يساعد الآخرين بلا مقابل، هذه السياسة كانت في العهد السوفييتي ولم تعد تصلح الآن.

وقد شكلت روسيا مع جيرانها منظمة الأمن الجماعي، والتي تضم مع روسيا كل من أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان، ورغم أن هذه المنظمة اسمها منظمة أمن إلا أنها لم تمارس من قبل أية أنشطة أمنية، ويرجع هذا لتخوفات أعضائها من الخوض في نشاط عسكري مشترك.

رغم جهود وإلحاح روسيا عليهم لخوض هذا المجال، وعلى ما يبدو أن تردد هذه الجمهوريات أو بعضها تجاه هذا الأمر قد تراجع أمام مغريات المساعدات المالية الروسية في ظروف الأزمة، ولهذا انتهزت روسيا الفرصة لتطرح مشروع تأسيس قوات جماعية للانتشار السريع لمكافحة الإرهاب والتدخلات الأجنبية، وبالفعل تم منذ أيام في موسكو توقيع اتفاقية إنشاء قوات انتشار سريع مشتركة تابعة للمنظمة.

ويقول الرئيس الروسي ميدفيديف إن فكرة تشكيل قوات جماعية للانتشار السريع لم تفقد حيويتها بل اكتسبت أهمية كبيرة جدا في العالم المعاصر، وخاصة في ظل استمرار التهديدات بما فيها تهديدات الإرهاب والمخدرات وغيرها». وأعلن ميدفيديف أن قوات الانتشار السريع التي تعكف منظمة معاهدة الأمن الجماعي على تشكيلها، لن تكون بطاقاتها الحربية، أسوأ من مثيلاتها لدى حلف الناتو.

رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكو لم يحضر توقيع الاتفاقية المذكورة، وبدا أنه غاضب من موسكو بسبب قرارها بمنع منتجات الحليب القادمة من بيلاروسيا من دخول ألسواق الروسية بسبب عدم مطابقتها للمواصفات، ولكن غياب الرئيس البيلاروسي لوكاشنكو لم يمنع توقيع اتفاقية تشكيل قوات الانتشار السريع ولم يعكر صفو القمة، فالجميع يعرفون مدى قوة العلاقات بين روسيا وبيلاروسيا، وأن البلدين على وشك الاتحاد معا في دولة واحدة.

وقد قال الرئيس الروسي ميدفيديف بثقة على القمة بأن بيلاروسيا ستنضم للاتفاقية في وقت لاحق، وهناك عقبة أخرى أمام الاتفاقية، وهي أوزبكستان التي تراودها بعض الشكوك والترددات في الانضمام للاتفاقية.

رغم أنها بعد طرد القاعدة العسكرية الأميركية من أراضيها عام 2005 أعلنت على لسان رئيسها إسلام كريموف بأن « أوزبكستان مستعدة تماما للتحالف الاستراتيجي مع جارتها الكبيرة روسيا »، ولكن على ما يبدو أن واشنطن عادت لتداعب أوزبكستان في محاولة منها لاستعادة القاعدة العسكرية على أراضيها والتي تحتاجها القوات ألأميركية وحلف الناتو بشدة في الحرب في أفغانستان.

روسيا تريد أن تؤسس شكلاً جديداً من التحالف العسكري الأمني على حدودها مع جيرانها، وجيرانها يستغلون رغبتها هذه للحصول منها على أكبر قدر من المساعدات المالية والاقتصادية، ويلوح بعضهم بالورقة الأميركية للضغط على موسكو.

والسؤال المطروح هو « كيف يمكن لتحالف أمني عسكري أن يقوم ويعيش على أساس المصالح الشخصية وليس على أساس المصلحة المشتركة بين الدول ؟ ».

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com