حظيت انتخابات الرئاسة الإيرانية، في الثاني عشر من يونيو الجاري، باهتمام كبير على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك لما لإيران من أهمية استراتيجية في استقرار منطقة الشرق الأوسط. وقد تمخضت هذه الانتخابات عن مفاجآت كثيرة لم تكن متوقعة لدى الكثيرين، إذ لم تشهد إيران في انتخاباتها الرئاسية السابقة ما شهدته في الانتخابات الأخيرة.
سواء خلال الحملة الانتخابية أو بعدها. فقد تبادل المرشحون اتهامات شديدة وخطيرة لم تشهدها الحملات السابقة، سرعان ما تُرجمت إلى أعمال عنف غير مسبوقة تزامنت مع إعلان فوز الرئيس أحمدي نجاد، وهي المرة الأولى التي تشهد فيها المدن الإيرانية هيجاناً جماهيرياً وصدامات عنيفة منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل ثلاثين عاماً.
فقد تحولت بعض السواعد التي لوحت بالشعارات التي تحمل اللون الأخضر (اللون الذي تميزت به الحملة الانتخابية للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي) إلى أدوات لإضرام الحرائق في شوارع المدن الكبيرة، وتحطيم واجهات المحلات التجارية، والاشتباك مع القوات الأمنية، غضباً وتشكيكاً بنتائج الانتخابات.
وقد سارع الرئيس، الذي أعيد انتخابه، إلى التقليل من أهميتها، واصفاً إياها بأنها أشبه بغضبة أنصار فريق خسر مباراة في كرة القدم.
والحقيقة أن الطعن في نتائج الانتخابات لم يقتصر على هؤلاء، فقد طعن فيها المرشحون الثلاثة الذين خسروا، وهم: مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحسن رضائي. ولعل الملفت للنظر هو موقف المرشد الأعلى علي خامنئي الذي سارع إلى تهنئة نجاد بالفوز، وحين اشتعل الشارع الإيراني غضباً، وافق على إحالة الطعون التي قدمت إلى مجلس صيانة الدستور للنظر فيها.
أما على المستوى العالمي فقد حرصت الدول الأوروبية والولايات المتحدة على عدم الخوض في تفاصيل العملية الانتخابية، إلا أن مواقفها قد تشابهت في إبداء عدم الارتياح من الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية للتعامل مع التظاهرات التي اندلعت احتجاجاً على النتائج.
التنافس كان على أشده بين الرئيس نجاد وبين مير حسين موسوي الذي يعتبر من الجناح اليميني في التيار الإصلاحي، وهو الجناح الأكثر قرباً إلى التيار المحافظ الذي يقود إيران.
هناك ما يلفت النظر في أمرين مهمين صاحبا الانتخابات الأخيرة، وهما:
1. الكثافة الكبيرة جداً في المشاركة، حيث تجاوزت نسبة المقترعين حاجز 85%، وهي نسبة تعتبر مرتفعة جداً.
2. النسبة المرتفعة من الأصوات (63%) التي حصل عليها الرئيس الذي أعيد انتخابه.
والحقيقة أن كثافة الإقبال على الاقتراع تعكس انقساماً حاداً في الشارع الإيراني، ورغبة في المضي في لعبة لي الأذرع إلى نهايتها، فقد وظف كل فريق جل قدراته في الترويج والتحشيد.
وهذا الانقسام الحاد لا يمكن أن يكون وليد الحملة الانتخابية، وإنما نتيجة صراع نضج في السنوات الأخيرة على نار هادئة، ليجد في الانتخابات الرئاسية فرصته للظهور إلى العلن، متخذاً منحنى جديداً أحرج المؤسسة القائمة، وأحرج قادة التيار الإصلاحي أنفسهم.
فقد عكست الأحداث التي أعقبت الانتخابات، تحدياً جماهيرياً قوياً، اتسم بالعنف، للمؤسسة الدينية القائمة، وسلوكاً أقرب إلى التمرد على قراراتها، مما حدا بالمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي والرئيس السابق محمد خاتمي والمرشح الآخر مهدي كروبي، إلى التدخل لوقف الانهيار ومنع تحول ما اندلع من احتجاجات إلى انتفاضة.
وعكست هذه الأحداث كذلك، قصور قيادات المعارضة عن استيعاب غضبة جمهورهم، وقصور برامجهم السياسية عن تفهم أحلام الشارع الإيراني المعارض الذي عبر عن طموحات تتجاوز كثيراً ما لدى القادة الإصلاحيين من قدرات على التجاوب معها.
ولم تجد إدارة الرئيس نجاد أمامها لمواجهة الغضب العارم، سوى اللجوء إلى إجراءات أمنية مشددة، فقطعت خطوط الإنترنت وعطلت الرسائل الهاتفية، في محاولة لمنع التواصل بين المعارضين. كما حدثت صدامات في طهران وفي مدن أخرى كبيرة بين المتظاهرين وبين قوات الأمن الحكومية سقط فيها عدد من القتلى والمصابين.
أما بخصوص ما حصل عليه الرئيس نجاد من أصوات، فقد كان محط اهتمام المراقبين، فهي نسبة غير متوقعة إلا في حالات نادرة قد لا يكون الوضع الإيراني، عشية الانتخابات، يتمتع بخصائص تكرارها، خاصة وأن الرئيس نجاد يعاد انتخابه لدورة رئاسية ثانية. فقد شهدت دورته الرئاسية الأولى تراجعاً ملحوظاً في الوضع الاقتصادي، وذلك لعدة أسباب منها:
1. اتخاذه جملة إجراءات أدت إلى تراجع الاقتصاد عما كان عليه الحال إبان عهد سلفه الإصلاحي محمد خاتمي. فالاقتصاد الإيراني ليس في أحسن حالاته، فهناك مشكلات تواجهها إيران تتعلق بارتفاع الأسعار وزيادة حجم البطالة وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وقد اقتربت معدلات التضخم من 20%، حسب ما أصدرته الجهات الرسمية الإيرانية.
2. انتهاجه سياسات زادت من عزلة إيران إقليمياً ودولياً، بسبب التدخلات في شؤون دول أخرى في المنطقة، وضاعفت هذه السياسات من المخاطر التي يتعرض لها أمنها القومي.
3. قيامه بتوسيع التزامات إيران المالية نحو دول وحركات سياسية في أنحاء مختلفة من العالم، مما أرهق ميزانية الدولة.
4. توجهه نحو العسكرة وزيادة النفقات في مجال استيراد الأسلحة وتصنيعها، والمضي قدماً في البرنامج النووي الذي يثير شكوك الأسرة الدولية، على حساب خطط التنمية.
كما أن هناك مسألة أخرى مهمة في هذا السياق، وهي أن التيارات الدينية، خاصة المتشددة منها، قد فقدت الكثير من رونقها على مدى السنوات المنصرمة وتراجعت شعبيتها كثيراً بسبب سعة ما منحته لنفسها من الحريات وصغر ما منحته لغيرها، من جهة، وفشلها في الارتقاء إلى مستوى القدرة على رؤية الصلة الوثيقة بين التقدم وبين مغادرة الماضي، من جهة أخرى.
وقد شهدنا ذلك في انتخابات مجالس المحافظات في العراق، وكان من المتوقع، في ضوء ذلك، أن تفرز الانتخابات الإيرانية وضعاً قريب الشبه من ذلك، وهو ما لم يحصل.
لا شك أن صورة إيران قد تغيرت خلال أسبوع واحد، سواء كانت الانتخابات نزيهة أو عكس ذلك، فالأحداث التي رافقتها سوف تترك آثاراً لا يمكن تجاهلها على الوضع السياسي في إيران. فعلى الرغم من أن المؤسسة الدينية الحاكمة ستحرص على محاصرة تداعياتها عن طريق صفقات تعقد بين القيادات التي تنتمي إلى نفس المؤسسة، إلا أن ما هو غير مرجح هو قدرتها على منع نشوء قيادات جديدة تتبنى أجندة جديدة وأساليب عمل جديدة، تتماهى فيها الطموحات الراديكالية التي عكسها الشارع الإيراني.
كاتب عراقي