أقرت قمة دمشق العربية 2008 ضرورة النهوض باللغة العربية لدخول مجتمع المعرفة. كانت تلك التفاتة استراتيجية من جانب أعلى مستويات صناعة القرار في النظام العربي للاهتمام بالأساس الأول لصفة العروبة.. وكانت تعني أيضاً استشعار الخطر على أحوال العربية، وبخاصة لجهة استعمالاتها في الحياة اليومية، علاوة على انزوائها عن بعض المساقات التعليمية وكثير من جوانب المعاملات الاقتصادية واستخدامات التقنيات الحديثة.
إعمالاً لتوصية القمة، رعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ندوة علمية بمقرها في تونس؛ موضوعها البحث في أسباب تدني اللغة العربية وكيفية معالجتها.
تقديرنا أن العربية لم تتدن، وإنما أبناؤها هم الذين قصروا في جنبها.. نلمس هذا أينما ولينا وجوهنا في أسماء المحلات والفنادق والإعلانات التجارية ولغة الحوار داخل بعض البيوت وكذا في انتشار المدارس والجامعات الأجنبية والإقبال عليها من قطاعات اجتماعية معينة.
رغم أنها لا تعبأ كثيراً بالعربية. وليس بلا مغزى سلبي على هجران العربية من أن شعوب المغرب العربي ولاسيما في الجزائر ما زالت تحتفي بالفرنسية في مجالات وأماكن كثيرة، دون استثناء بعض الأروقة الحكومية التي تقود حملة التعريب!
نعرف أن المستعمرين حرصوا على بسط لغاتهم كتعبير بارز عن السيطرة على العقول وأنماط التفكير، ومن ثم تحقيق ما يسمى بالاستلاب الحضاري. لكن الاستعمار المباشر غار عن معظم أنحاء الوطن العربي، وراح عرب الاستقلال يدافعون عن لغتهم بوسائل كثيرة بينها النصوص الدستورية.
ومع ذلك، ما زالت لغة الضاد تحت التهديد. الاعتقاد السائد هو أن ضعف العرب السياسي وتخلفهم الاقتصادي والتقني، يفعل فعله في عزلة لغتهم وضمورها بينهم، ناهيك عن انقطاع الآخرين عنها لعدم حاجتهم إليها. يحظى هذا التعليل برواج واسع لدى الذين يقرنون قوة اللغة وحضورها وإشعاعها بقوة أصحابها ومكانتهم في هذا العالم.
هذا أمر جائز جداً. بيد أن هناك أمثلة تجرح صدقيته الحتمية. فصناعات الصين واليابان وكوريا وتقنياتهم تنتشر في الجهات الأربع، لكن هذه الحقيقة لم تضمن للغات هذه الدول الانتشار الذي تحقق للغات أقوام آخرين كالإنجليزية والفرنسية.
كما لا يبدو أن الاستعمار الممتد وحده يؤدي إلى زحزحة لغات الشعوب الواقعة تحته، فقد احتل الأتراك بلاد العرب لأربعة قرون ولم يخلفوا وراءهم ميراثاً لغوياً تركياً معتبراً. والظاهر أننا بحاجة إلى مزيد من التفسيرات لأسباب اضمحلال اللغة الأم والعزوف عنها بين أهلها.
كاتب وأكاديمي فلسطيني