في دورتيهم الرئاسيتين، ركز المحافظون الجدد بزعامة بوش الابن ونائبه ديك تشيني على توجهين إزاء العالم العربي: نشر الديمقراطية وبناء شرق أوسط جديد.
وقد تصور بوش أنه صاحب رؤية تبشيرية ؛ عليه أن يحملها لهذه المنطقة ولو باستخدام القوة. بلغ الإفصاح عن هذه «البشارة» ذروته في مناسبتين دمويتين، كانت أولاهما بين يدي غزو العراق واحتلاله؛ التي قيل أنها ستجعل منه بلداً تعددياً ديمقراطياً خالياً من دسم الطائفية المذهبية والجهوية والعرقية.
وتمثلت الثانية في تصريحات كوندوليزا رايس وزير الخارجية الأميركية أثناء الأيام الأولى من الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله عام 2006 وكان مفادها أن هذه الحرب تدشن خريطة الشرق الأوسط الجديد الديمقراطي!.
بهذا الخصوص، لم يتحرك الخطاب الأميركي وحيداً في الميدان، وإنما صاحبته جوقة محلية عربية أو شرق أوسطية، عزفت اللحن ذاته وراحت تسوقه بين أهل البيت. وعلى الأثر نشب تناظر فكري تاريخي وسياسي بين أنصار الديمقراطية والشرق أوسطية بيد عمرو الذي هو أميركا والغرب، وبين جماعة المدافعين عن التدرج ومراعاة التقاليد العربية وغير القابلين بمفهوم الشرق الأوسط بديلاً من النظام العربي..
وبالنظر لفجاجة الدعوة الأميركية وانتقائيتها ومخالفتها لأسس التعامل اللطيف والحواري وانتقادها لسلوك الأصدقاء و(الممانعين) معاً، أصيبت علاقات واشنطن بالفتور حتى مع الموصوفين بالاعتدال في العالم العربي.
ما حدث نتيجة هذه المعمعة أن واشنطن فشلت ومحازبيها في تحقيق غايتها، فلا الديمقراطية أينعت انطلاقا من العراق ولبنان وفلسطين، ولا أشرقت شمس الشرق الأوسط الجديد. وظل مستقبل الاحتلالين الأميركي في العراق والإسرائيلي في فلسطين، أكثر الهموم إلحاحاً علي شعوب المنطقة.
وبدا الفشل الأميركي مدوياً أكثر علي صعيد إصلاح أو تحسين الصورة الذاتية لدي هذه الشعوب. اللافت أن المحافظين الجدد عملوا في أواخر عهدهم علي لملمة خططهم وطيها، وبخاصة ما تعلق منها باصطناع الشرق الأوسط علي قياسهم وقياس إسرائيل.. وكانت المفارقة هنا وما زالت، ابتلاع أنصارهم في الداخل العربي ألسنتهم وسكوتهم عن الكلام المباح، وكأن المايسترو أوقف العزف.
ثم إن المايسترو الأميركي غير النوتة إلى حد كبير في عهد أوباما، وراح يتحدث عن ترك قضية التحولات الديمقراطية لخيارات أبناء المنطقة. وهنا صعبت علي فريق الأنصار أنفسهم، فراحوا يشكون من أن واشنطن باعت قضية الديمقراطية صيانة لمصالح أعظم بالنسبة لها. والأرجح أن دعاة الشرق أوسطية من الخارج ومسانديهم في الداخل هم اليوم في حالة بيات شتوي إلى حين.