لا يُعول كثير من فقهاء السياسة على تغير القادة وصناع القرار في الدول الديمقراطية لتوقع التحول في سياسات هذه الدول. وينصح هؤلاء القوى كثيفة التعامل مع مثل هذه الدول بأن يضعوا أعينهم على أداء المؤسسات الثابتة التي تصنع السياسات والاستراتيجيات غير القابلة للتبدل في الآجال القصيرة والمتوسطة.
في السياق ذاته، توصف نظم دول عالم الجنوب بأنها تتخذ سياسات تعكس أهواء الزعماء الملهمين وبطاناتهم. لذا يصعب تحديد المقاربات المناسبة للتعاطي مع مثل هذه النظم، التي قد تتغير رؤاها وتوجهاتها ومن ثم مواقفها وفقاً لمعايير شخصية بحتة.
هذه التعميمات صحيحة إلى حد كبير؛ لكنها لا ترقى إلى مصاف المسلمات. فمشاهدات الواقع في بعض أمهات الديمقراطيات وفي طليعتها الولايات المتحدة، تتعارض مع الاعتقاد بالالتزام الحتمي بالنهج المؤسساتي في صناعة السياسات والقرارات.
مثلاً، لا يخلو من دلالة أن إدارة الحزب الديمقراطي بقيادة أوباما تتبنى تحولات جوهرية في مقاربتها لقضية فرض الديمقراطية على الآخرين، مقارنة بأولوية هذه القضية لدى إدارة الجمهوريين الآفلة بزعامة بوش الابن.
أوباما قال حرفياً بالقاهرة «.. لا يمكن ولا ينبغي لأية دولة أن تفرض نظاماً للحكم على أية دولة أخرى..». وأشار موضحاً أكثر انه «يشجع الحكومات المعبرة عن إرادة الشعب.. لكن هذا التعبير يجب أن يوافق تقاليد شعبها..».
أين هذا التواضع إزاء التدخل في عوالم الآخرين رغماً عنهم من خطاب إدارة بوش الابن، الذي ادعى الريادة الأميركية للتحول الديمقراطي عالمياً ولو بالقوة المسلحة؟. أليس هذا ما حدث جدلاً مع النموذج العراقي والأفغاني؟.. ولولا كوابح كثيرة لمضى بوش ومحافظوه الجدد إلى ما هو أبعد من العراق وأفغانستان.
القصد أن جماعة المحافظين إياهم انكمشت وذوت معها بعض الأهداف والوسائل التي عكرت فضاءات إقليمية ودولية واسعة. وربما جاز التصور بأن جانباً مهماً من حديث الشرق أوسطية قد ذوى بدوره مع زوال بوش وجماعته.
على سبيل الاستدراك والحذر، نجادل بأن التحول الذي نلمح إليه في المثل الأميركي ليس جذرياً ولا هو انقلابي على غرار ما يحدث في دائرة النظم السلطوية والديكتاتورية.
لكن عاقلاً خبيراً لا يسعه الادعاء بان إدارة أوباما مجرد نسخة عن الإدارة التي سبقتها لمجرد إثبات أن النظم الديمقراطية حسنة المأسسة لا تتأثر بتبدل القادة والأحزاب الحاكمة. الأرجح أن الشخوص والقادة يمارسون أدواراً ويملكون بصماتهم الخاصة في أعتى الديمقراطيات وبين يدي أرسخ المؤسسات.