أنهت موريتانيا أزمة سياسية كبيرة كادت أن تصيبها، بعد ما تم الأسبوع الماضي التوقيع في نواكشوط على اتفاق يهدف إلى تجاوز الأزمة السياسية بحضور زعيم الانقلاب وخصومه في المعارضة، وذلك تحت إشراف المجموعة الدولية.

وبموجب الاتفاق، يستقيل الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله طواعية لتتشكل حكومة وحدة وطنية، ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية في مدى زمني لا يتعدى ستة أسابيع، بمشاركة من جميع الأحزاب السياسية.

ووقع الاتفاق في قصر المؤتمرات ممثلون عن الأطراف الثلاثة في الأزمة، وهم تحالف الأحزاب المعارضة للانقلاب، وحزب المعارضة بزعامة احمد ولد داداه والحزب المؤيد للانقلاب بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

واشرف على حفل توقيع الاتفاق الرئيس السنغالي عبدالله واد الذي توسط في المفاوضات الشاقة بين الأطراف الموريتانية، بعد عشرة أشهر من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله.

كما وقع على وثيقة الاتفاق وزير الخارجية السنغالي وممثلون عن الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. وألغيت بهذا الاتفاق حملات الانتخابات الرئاسية التي كان مقررا أن تجرى السبت قبل الماضي، والتي قاطعتها أحزاب المعارضة.

ونص الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تتألف مناصفة من شخصيات موالية ومناهضة للانقلاب. وتضمن تعهدا سنغاليا بإطلاق سراح سجناء جبهة الدفاع عن الديمقراطية، وسيختار رئيس المجلس العسكري السابق الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس الحكومة بناء على استشارات مع القوى المعارضة للانقلاب.

واعتبرت المعارضة الموريتانية أن الاتفاق الذي وقع في دكار للخروج من الأزمة يشكل «انتصارا للعقل على العنف». وقال زعيم المعارضة الموريتانية أحمد ولد داداه في مؤتمر صحافي في نواكشوط إنه انتصار «للمسؤولية على المغامرة والوطنية على التساهل».

وأكد أن حزبه تكتل القوى الديمقراطية والجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية وافقا على تقديم تنازلات كبيرة من اجل التوصل إلى هذا الاتفاق مع الفريق المؤيد للجنرال محمد ولد عبد العزيز. ودعا زعيم المعارضة إلى احترام بنود الاتفاق معتبرا أن عصرا جديدا قد بدأ للديمقراطية والتطور في موريتانيا وأن «الانقلابات والتحايل على القانون لم يعد لهما مكان في هذا البلد».

وقد اختارت الأحزاب الموريتانية موعد 18 يوليو لإجراء الانتخابات الرئاسية وذلك بهدف السماح لأحزاب المعارضة بالمشاركة فيها، وفق ما قاله وزير الخارجية السنغالي، شيخ تيديان جاديو. وجاء ذلك بعد مفاوضات شاقة في العاصمة السنغالية على مدى ستة أيام بهدف وضع حد للازمة الناجمة عن انقلاب أغسطس/ آب 2008.

وكان الجنرال محمد ولد عبد العزيز، المستقيل من رئاسة المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا يسعى لان يصبح رئيسا للجمهورية الموريتانية وبدأ محاولاته الهادفة إلى كسب الناخبين الموريتانيين. وتعهد خلال جولته في شمالي البلاد بتحسين مستوى العيش في هذا البلد الذي يعاني من الفقر في حال فوزه بالانتخابات.

ولكن في أعقاب الاتفاق أعلن رئيس المجلس العسكري الأسبق العقيد علي ولد محمد فال ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة بما جعله وفقا لآراء معظم المراقبين هو المرشح الأوفر حظا بالفوز.

وكان ولد محمد فال قد ترك السلطة طوعا وأفسح المجال أمام انتخابات رئاسية نزيهة عام 2007، وهو الأمر الذي زاد من شعبيته لدى قطاعات عديدة من الشعب الموريتاني ولدى معظم القوى السياسية هناك.

وفى رأى عديد من المهتمين بالشأن الموريتاني فان اتفاق المصالحة الوطنية أعاد ترتيبات الساحة الموريتانية من جديد، من حيث تبدل المواقف وطبيعة التحالفات، خصوصا بعد إعلان ولد فال ترشيحه في الانتخابات الرئاسية.

وقد رأت مصادر موريتانية أن ولد فال يجذب إليه جميع الرموز المؤثرة في موريتانيا، خصوصا شيوخ القبائل والعشائر؛ نظرا إلى تجاربه السابقة، حيث حكم إدارة الأمن العام طيلة عشرين عاما، وكان رجل الظل في عهد حكم الرئيس ولد طايع، وهو يعرف الإدارة السياسية المحنكة ويملك كلمة السر في التعامل مع الشيوخ وجماعات الضغط والأحزاب وكل الأساليب السرية، إضافة إلى تقربه من الغرب، وهو ضابط عسكري متمرس ولديه علاقات طيبة بالمؤسسة العسكرية، وكل هذه الصفات من وجهه نظرهم هي الصفات اللازمة لحكم موريتانيا بنجاح.

يضاف إلى ذلك بالطبع تجربته الناجحة في حكم موريتانيا في الفترة التي تولاها، والتي رسخته باعتباره من الحكام العرب القلة الذين يتخلون عن الحكم بإرادتهم.

كذلك صوت المجلس الوطني لحزب المعارضة الرئيسي في موريتانيا (تكتل القوى الديمقراطية) بالإجماع على ترشيح رئيس الحزب أحمد ولد داداه للانتخابات، وفوض المجلس رئيس الحزب التفاوض مع الجبهة والتيارات السياسية الأخرى حول التنسيق المشترك في الانتخابات المقبلة، وأقر توسيع المكتب التنفيذي للحزب ليضم وجوهاً وشخصيات سياسية جديدة. وهو ما يؤكد أن الانتخابات التي ستجرى في موريتانيا ستتميز بالسخونة وحدة المنافسة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com