جاء حين من الدهر كان بعض أساتذة العلاقات الدولية يضربون لتلاميذهم فيه المثل بشركة جنرال موتورز، كدليل على وجود وحدات فاعلة في النظام الدولي غير الدول. وذلك على اعتبار أن القوة المالية والتقنية والاقتصادية لهذه الشركة، وبالتداعي نفوذها السياسي، يفوق إن لم يعادل ما تتمتع به كثير من الدول.
ولقد تأكد لبعض أولئك التلاميذ لاحقاً أن أساتذتهم لم يكونوا يفترون أو يأفكون عندما كانوا يسخرون من الأبهة التي يدعيها زعماء عالمثالثيون لدولهم بالقول «إن ما تملكه جنرال موتورز من أصول ثابتة وأموال سائلة يزن أضعاف ما تملكه بعض هذه الدول..».
وبالطبع، كان نموذج جنرال موتورز وربما ما زال قابلاً للاستنساخ والقياس بالنسبة لشركات أخرى عملاقة في الدول المتقدمة الميسورة. بيد أن شهرة هذه الشركة كانت ترشحها للحضور العاجل في أذهان الأساتذة والشراح. الآن، أعلن إفلاس جنرال موتورز.
وطبقاً لهذه الوضعية لن تتوقف الشركة عن العمل، وسوف يسمح لها ببيع بعض أصولها وممتلكاتها وإعادة جدولة ديونها وإلغاء بعض عقودها وإغلاق بعض عملياتها. كما أن الوضع الجديد يضعها تحت رقابة المحاكم المختصة لحمايتها من الدائنين. وتحتاج الشركة عموماً لفترة ممتدة لأجل إعادة الهيكلة المطلوبة. وستضخ الحكومة الأمريكية أموالاً لمساعدة الشركة وستقود دفتها إلى أن تتعافى.
هل تستدعي هذه التطورات الدرامية مقارنة من نوع آخر بين أحوال جنرال موتورز بعد ضعفها، وبين ما يعرض لبعض الدول من أزمات تضعها تحت طائلة السيطرة والنفوذ الخارجي بشكل مباشر أو غير مباشر؟. إذا قاربنا الأمر بشيء من التصرف وجدنا مبررات لهكذا استفهام.
فذات مرحلة تاريخية، كان إيقاع بعض الدول في أحابيل الإنفاق البذخى والاستدانة والاعتماد المفرط على جيوب الآخرين، سبيلاً لفرض الوصاية على مالية هذه الدول، ثم إخضاعها للحماية وصولاً إلى احتلالها بالكامل. ولا يعدم المجال الدولي وجود دول تكاد تفقد سيادتها تحت ضغط مسلسل الأزمات وعدم التوازن بين الموارد والدخل من ناحية وبين النفقات والحاجات من ناحية أخرى..الأمر الذي يسمح للصناديق والمنظمات المالية وروابط الدول الدائنة لفرض شروطها والتغلغل في أحشاء هذه الدول ولي ذراعها والإملاء الاقتصادي والمالي والسياسي عليها.
نحن إزاء مفارقة مثيرة، فالحكومة الأميركية تلقت تفليسة جنرال موتورز لطي الشركة تحت عباءتها، وهي العباءة ذاتها التي تندثر بها دول بقضها وقضيضها.