أحسن الله عزاءكم أيها الإسلاميون في مصابكم الانتخابي الذي أظهر تراجعاً كبيراً في أرصدتكم الشعبية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والتي كشفت عنها مؤخراً سلسلة الانتخابات البرلمانية والبلدية التي جرت في عدد من الدول العربية والإسلامية والتي تحتل فيها القوى الإسلامية مواقع حزبية ونيابية على مشهد الخريطة السياسية لتلك الدول.

فقبل عام تقريباً منيت الأحزاب الإسلامية في باكستان بخسارة فادحة في الانتخابات البرلمانية، حيث تراجعت على سبيل المثال مقاعد حزب (الرابطة الإسلامية) من 118 مقعداً في انتخابات عام 2002 إلى 40 مقعداً فقط في انتخابات 2008، والخاسر الثاني كان حزب( مجلس العمل المتحد) الإسلامي القريب من حركة طالبان وتنظيم القاعدة، حيث تراجع من 59 مقعداً في مجلس عام 2002 إلى ستة مقاعد فقط، ولم تقتصر هزيمة الأحزاب الإسلامية الكبيرة في باكستان فقط بل تعدته إلى دولة إسلامية أخرى مثل اندونيسيا والتي تعد أكبر الديمقراطيات في جنوب شرق آسيا 171 مليون ناخب من بين 240 مليون نسمة يمثلون العدد الإجمالي للسكان و85% منهم مسلمون، فقد أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي كانت قبل شهر تقريباً تراجع شعبية الأحزاب الإسلامية من 38% في انتخابات عام 2004 إلى 26% في انتخابات هذا العام.

وذلك طبقاً لإحصائيات واستطلاعات المؤسسات المستقلة المعنية بهذه الموضوعات. تركيا كذلك لم تسلم من هذا التراجع حيث شهد حزب العدالة والتنمية تراجعاً في شعبيته على مستوى الانتخابات البلدية، وعلى فكرة الانتخابات البلدية في تركيا تكتسب طابعاً خاصاً خاصة عند حزب العدالة والتنمية كونها شهدت الانطلاقة الأولى لوصول الإسلاميين إلى سدة الحكم في تركيا وذلك عندما فاز أردوغان برئاسة بلدية اسطنبول كبرى بلديات تركيا عام 1994.

لم يقتصر تراجع الإسلاميين على مستوى دول الجوار بل تعداه إلى الدول العربية، فكانت المحطة الأولى والمفاجأة في العراق في الانتخابات المحلية التي جرت في يناير الماضي فكانت المفاجأة عندما سجل الإسلاميون تراجعاً حاداً في مقابل صعود إسلاميين تخلوا عن الشعار الأيديولوجي المتشدد وتركيزهم على منجزات مادية ملموسة.

أما المحطة الثانية فكانت الكويت أقدم الديمقراطيات الخليجية، حيث حملت الانتخابات البرلمانية الأخيرة مفاجأة تمثلت في تراجع مقاعد الأحزاب الدينية على صعيد تياري الحركة الدستورية الإسلامية(حدس)، والتجمع الإسلامي السلفي بالإضافة إلى بعض العناصر الإسلامية المستقلة إلى 13 مقعداً بعد أن كانت تشغل 21 مقعداً، وكانت الصدمة الأكبر انتخاب أربع نساء ليبراليات دفعة واحدة للمرة الأولى في تاريخ الكويت وهذا ما كانت الأحزاب الإسلامية طوال السنوات الماضية ترفضه وتعمل جاهدة على إسقاط أي قانون يسمح للمرأة بالترشيح والانتخاب.

حماس على الضفة الأخرى تراجعت هي الأخرى أرصدتها الشعبية على مستوى الوطن العربي خاصة بعد حرب غزة والأوضاع الإنسانية المتدهورة في القطاع وسلسلة مفاوضاتها العقيمة مع فتح، وأثبتت بالفعل فشلها الذريع في مشروعها الإسلامي السياسي.

الانتخابات اللبنانية الأخيرة كذلك حسمت كلمتها بإعطاء أغلبية الأصوات لقوى الرابع عشر من آذار بعد أن كان حزب الله الموصوف بالحزب الديني قاب قوسين أو أدنى من الفوز، حتى أن أحد المحللين السياسيين وصف لبنان بغزة الجديدة في حالة إذا فاز حزب الله بأغلبية الأصوات.

ويمكن أن نخلص إلى بعض النتائج من القراءة الانتخابية السابقة.

1 ـ تراجع الأحزاب الإسلامية أصبحت ظاهرة أخذت تبرز على السطح في الفترة الأخيرة، بعد أن سيطر الإسلاميون على معظم قاعات البرلمان في عدد من الدول الإسلامية والعربية منذ مطلع الألفية، مستفيدة في تلك الفترة من الهجمة الإعلامية العالمية على الإسلام وردة فعل الشعوب المسلمة والعربية إزاء تلك الهجمة.

2 ـ لا نستطيع أن نضع جميع حركات الإسلام السياسي السابقة في بوتقة واحدة ونصدر عليها أحكاماً متشابهة في كيفية الأداء وأسباب التراجع والفشل، فالتقييم يبقى عاملاً نسبياً يختلف من دولة إلى أخرى، فحزب العدالة في تركيا على سبيل المثال أستطاع أن يضرب نموذجاً مثالياً في طبيعة الإسلام السياسي، من حيث الانفتاح والشفافية والتعاطي مع الآخر المختلف معه عقائدياً عكس معظم الأحزاب السياسية الإسلامية التي ترفض الآخر ولا تعنيها مطالب شعوب أوصلتها إلى تلك المقاعد كما يحدث في باكستان والكويت.

3-فشلت الحركات السياسية الإسلامية ذات المرجعية الجهادية في ممارسة السياسة العامة، فمن الأولى لمثل هذه الجماعات أن تظل في خطها النضالي وتتخلى عن مشروعها السياسي، كحركة حماس على سبيل المثال.

4 ـ انتفت صفة القداسة وتلاشى الرمز الذي استطاعت الأحزاب السياسية الإسلامية أن تتوشح به طيلة فترة السنوات الماضية، وبينت تجربة الممارسة السياسية أن تلك الأحزاب والجماعات ما هي إلا جماعات سياسية مطالبة بتنفيذ برامج حياتية دنيوية تتطلبها حياة الناس.

5 ـ لا يعني هذا الفشل الذي منيت به الأحزاب الإسلامية خروجها من الحياة السياسية، ولكنه سيؤدي إلى تكريسهم كمشروع سياسي بشري لديه كباقي المشاريع برامج وأهداف ووسائل تحتمل الصواب والخطأ.

الشعوب المسلمة في الواقع لا تحتاج القوى الإسلامية السياسية لكي تمنحها صكوك الغفران، بقدر ما هي بحاجة إلى مشاريع سياسية تخدم مصالحها، هل ستستوعب الأحزاب الإسلامية السياسية الدرس وتعيه جداً أم أنها ستتدخل في معارك إيمانية أخرى، ولكن ينبغي لها أن تعرف أن الظروف الدولية والإقليمية التي صنعتها في فترة من الفترات لم تعد قائمة أو موجودة اليوم، فأوباما اليوم غير بوش الأمس.

عزاؤنا الأخير إلى تلك الدول التي لم تذق طعم الانتخابات، ولم تجرب وصول إسلاميين أو غيرهم، وإنما تسمع وترى وتقارن من خلال الصحف والفضائيات.

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com