زال النظام الشيوعي القح في موسكو، وانتشر في الفضاء الروسي مليونيرات وأصحاب مليارات ورأسماليون كبار يحسبون ثرواتهم بالدولار واليورو وليس بالروبل فقط. ومع ذلك يطل علينا بعض الساسة الروس بما يدل أحياناً على الحنين إلى زمن الاشتراكية والاشتراكيين ذوي النزعة الإنسانية. وهنا تأخذ العولمة معنى إيجابياً تماما.

بدا الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف واحدا من هؤلاء الذين مازالوا يستلهمون هذه النزعة، حين دعا مؤخراً إلى «العثور على موارد غير غذائية لتوليد الطاقة البديلة، طالما أن في عالمنا المعاصر مليار شخص يعانون من الجوع..».

وقال أيضاً «إننا لا نقبل أن يموت طفل كل خمس ثوان نتيجة العجز في الحبوب الضرورية لغذاء البشر.. ولابد من آلية لمراقبة سوق الحبوب وإحداث التوازن بين العرض والطلب..». روسيا اليوم تنتج حاجتها من الحبوب وعادت لتصدير جزء من هذا الإنتاج.

لكن هذه الحقيقة لم تثن موسكو عن الاتجاه ـ بحسب الرئيس ميدفيديف ـ إلى استصلاح نحو عشرين مليون هكتار من الأرض. تقديرنا أن العرب يقعون في قلب دائرة الأقوام الأكثر حاجة للانحياز للمعالجة الروسية لقضية أزمة الغذاء العالمية. فهم يستوردون أغلب حاجاتهم من حبوب الغذاء، وهذا يدعوهم للاصطفاف مع العاطفين على رفض استخلاص الطاقة من بعض هذه الحبوب.

وبالطبع فان العرب أحوج من الروس للأخذ بالحل الجذري للأزمة القائم على توسيع الرقعة الزراعية. روسيا تنتج ما يكفيها وتصدر ما يفيض، ولكنها مشغولة باستصلاح المزيد من الأرض عملاً بالأحوط وتحسباً للمستقبل.

يتحدثون في عالم اليوم عما قد يسببه العجز المائي في بعض مناطق «الشرق الأوسط» من مشاحنات مؤهلة للتفاقم والتحول إلى صراعات ضروس. ولا شك في أن هذا العجز المتوقع سيفضي في التحليل الأخير إلى ضآلة فرص التوسع الزراعي.

ولأن بلدان ما يسمي بالشرق الأوسط غير العربية مثل تركيا وإيران وأثيوبيا لا تعاني من شح في الموارد المائية، فان المقصود بالمناطق المرشحة لهذا الشح وما يتأتي عنه من خلافات ومنازعات لا تتعدى العالم العربي.

الممر الإجباري لإحباط هذا التوقع المتشائم هو في تحقيق حد معقول من التكامل العربي بين أصحاب الموارد المائية والمالية والمساحات الصالحة للزراعة.. هذا وإلا أصبح العرب ذات وقت غير بعيد كالعيس في الصحراء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.

mohamedalazzar@hotmail.com