يبدو أن أفضل الحلول السياسية هي الحلول السريعة، تماماً كالوجبات السريعة. وهذا ما ينهجه العالم اليوم لحل القضية الفلسطينية بعد أن تعقدت الأمور بالنسبة للدول التي لا تريد أن تتوقف عن البلع والهضم. الكل بات يعلم اليوم ان القضية الفلسطينية تم طبخها على يد طهاة متخصصين في (حسن النوايا) لخدمة عدة طاولات غربية إلا الصواني الإسلامية (منذ عقدة فتح الأندلس).

ولا يخفى على العالم (الذي لم يعد يكترث كثيراً بمجاعات الآخرين لانشغاله بقضاياه الخاصة) بأنه لو اتجهت رائحة حل القضايا المعلقة في الشرق الأوسط بالذات بما يفتح شهية مصالح العالم الديمقراطي الغربي لكان الحل أسهل من كسر بيضة. اليوم تشابكت الأمور واختلط الحابل بالنابل وأصبحت مصالح معسكر الغرب نفسها معقدة في ساحة المعركة، مع بروز كتل اقتصادية خطيرة تسير بخطى بطيئة وثابتة كالصين والهند وإيران وربما تضاف إليها دول أخرى تأتي من المشرق، على سبيل المثال: كوريا.

وعندما جاء أوباما الأسود إلى البيت الأبيض كان الامتداد الإسلامي المتسارع في منتصف الطريق إلى التحكم في زمام أمور المنطقة والذي بات يقلق الغرب ليس كعقيدة ضد عقيدة أو حضارة ضد حضارة ولكن كثورات بركانية صغيرة تتفجر هنا وهناك (أطلق عليها مرة إرهاباً وأخرى تطرفاً وقد يكون الغرب وإسرائيل وراء دعم بعض هذه الجماعات) دون القدرة على السيطرة عليها مما قد يشكل في المستقبل تهديداً لمصالح العالم الصناعي إذا ما تركت تتبلور وتكبر وتهيمن في بيئة صالحة لتكاثرها.

واضطر العالم الصناعي (وليس حباً في السلام كما يدعون) أن يعالجوا جذور المسألة من أساسها. ولم يجدوا حلاً سوى حل قضية الشعب الفلسطيني المنقلب على نفسه والأرض الفلسطينية المنقسمة على نفسها وحل (الدولتين) بعد أن فشلت خارطة الطريق كغيرها من الحلول التي فصلت على مقاس اتجاهات الرياح والمصالح.

أياً كانت تفاصيل حل الدولتين (مع أنه مشروع ليس بجديد)، فإن الجو الآن مناسب جداً لتمرير أي حل سريع والبدء في استغلال فرصة انشغال المقاومات الإسلامية بأمورها الداخلية. فإيران مشغولة بصراع يشبه صراع الديكة على الزعامة، وحزب الله اللبناني منشغل بترتيب حساباته بعد نتائج الانتخابات البرلمانية التي عول عليها كثيراً، وأفغانستان بحرب استنزاف طال أمدها، وباكستان بصراعات داخلية ليس لها ملامح محددة، والمقاومة في العراق بدأت تنحسر والسودان متورط في دارفور... إلخ.

وإن لم يتلاحق الغرب نفسه فسوف تضيع من يديه فرصة العمر. بالطبع الرابح الأول هم الإسرائيليون الذين ابتلعوا ما يقرب من 80% من فلسطين سبب المشكلة، وإلى أن يتم اتفاق الأطراف على حل الدولتين من عدمه، تكون إسرائيل قد أصيبت بالتخمة من عجلة ابتلاع لقمة أخرى من فلسطين المتبقية، وليس على الفلسطينيين سوى أن يبصموا بكل الألوان المتوفرة لديهم قبل أن يذهب كل شيء في معدة السيكلوب.

دون هذه الحسابات فإن الغرب غير قادر على التنبؤ بما قد يسفر عنه استمرار ازدياد التطرف الإسلامي في غضون عشرين سنة قادمة.

فزيارة أوباما الأخيرة وتوقيتها جاءت تنفيذاً لهذه الخطة السريعة. وتتلخص في أن الاستراتيجية القديمة التي اعتمدت على إشغال العالم الإسلامي بحروب وصراعات داخلية قد تحمي إسرائيل ومصالح الغرب لفترة زمنية محددة، ولكنها ستكون ذات نتائج عكسية على المدى البعيد. فمحاولة إبداء الشهية لأطباق إيران كانت تسير في هذا النهج، ودعماً للإصلاحيين في الانتخابات الرئاسية التي تعيشها إيران هذه الأيام واحتمال خسارة أحمدي نجاد واردة، كما أن الولايات المتحدة والغرب لم تترددا في دعم الموالاة في الانتخابات البرلمانية اللبنانية الأخيرة بشتى الطرق الترغيبية والترهيبية إضافة إلى المناورات الإسرائيلية التي سبقت الانتخابات وزرعت القلق في قلوب اللبنانيين من حرب أخرى قادمة فيما لو وصل حزب الله إلى السيطرة على أكثرية مقاعد البرلمان.

كل ذلك كان هدفه إفشال حزب الله من الوصول إلى البرلمان، وفي الجهة الأخرى من الطاولة كانت سياسة العصا والجزرة بدأت تعطي ثمارها في علاقة الغرب مع سوريا. فالانطباع العام الذي سيطر على العالم هو أن مصدر الخلاف الثلاثي: الإسلامي الغربي اليهودي ـ المتمثل في قضية فلسطين ـ أصبح على قاب قوسين أو أدنى من الحل، وأن العالم سيعيش فترة سلام دائمة وفي الوقت نفسه سوف يضمن الغرب بقاء إسرائيل واستمرار بقاءه في المنطقة دون تهديد خارجي.

إنه عصر الحلول السريعة، على شاكلة الوجبات السريعة التي اخترعتها مطاعم الولايات المتحدة الأميركية وصدرتها إلى العالم في السبعينات من القرن الماضي.

وكل برجر وانتم بخير....

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com