انتخب اللبنانيون مجلسهم النيابي حسب القانون الانتخابي الذي تمت بموجبه انتخابات (1960) في لبنان، وهو ما يسمى بقانون الدائرة الصغرى، أي أن الوحدة الانتخابية المعتمدة هي دائرة (القضاء) لا المحافظة ولا البلاد كلها.

وقد اتفق اللبنانيون في مؤتمر الدوحة العام الماضي على إجراء الانتخابات حسب هذا القانون، تلبية لرغبة ميشيل عون (بدعم من المعارضة) بافتراض أن الانتخاب حسب دائرة القضاء سيكون أكثر عدلاً في اختيار ممثلي الطوائف، إذ سيحسم ناخبو كل طائفة (في الغالب الأعم) انتخاب ممثليها، ذلك أنه كلما اتسعت الدائرة صارت الطائفة الأكثر تواجداً فيها هي التي تقرر الفائز من مرشحيها أو مرشحي الطوائف الأخرى، وكان ميشيل عون (والمعارضة) يعوّلان على قانون (1960) انطلاقاً من افتراض، تبين أنه خاطئ، هو أن أكثرية الموارنة والمسيحيين سوف يؤيدون مرشحي عون.

وبالتالي تكون له كتلة نيابية كبرى في المجلس النيابي المنتخب، وسيكرس دوره كزعيم (أوحد) لمسيحيي لبنان، وربما لمسيحيي الشرق كما أُطلق عليه خلال زيارته لدمشق في العام الماضي.

كذبت نتيجة الانتخابات هذه التوقعات، ولم يؤيد الناخبون الموارنة مرشحي ميشيل عون، وتراجع عدد نوابه الموارنة تراجعاً كبيراً، وكان هو أكبر الخاسرين في الانتخابات اللبنانية، وحتى من فاز من أنصاره فقد فاز بسبب تأييد الناخبين الأرمن والناخبين الشيعة لهم بكثافة، في الوقت الذي كانت فيه مجريات الانتخابات ملفتة وجديرة بالدراسة باعتبارها مؤشراً جديداً في الانتخابات اللبنانية.

لقد صوت اللبنانيون هذه المرة لمواقف سياسية وليس لمرشحين أفراد كما كان الحال دائماً في لبنان، وكان الناخب ينتخب قائمة تياره كاملة مع وجود مرشحين فيها لا يحبهم ويتوسم فيهم القدرة والكفاءة، ومع ذلك انتخبهم إرضاء لتياره السياسي وانسجاماً مع موقفه السياسي، وفي هذا الإطار صوت ناخبو الطائفتين السنية (لتيار المستقبل) والشيعية (للمعارضة بقيادة حزب الله) بكثافة مشهودة وبنسب مرتفعة لم تشهدها الانتخابات اللبنانية في تاريخها، وتبنوا في تصويتهم قوائم قادة طوائفهم دون الاهتمام بأسماء المرشحين فيها حتى لو كانوا أعداء سابقين لهم أو أشخاصاً غير مشهورين، أو كانوا شخصيات ثانوية، دون أن يعمدوا إلى خرقها بوضع أسماء مرشحين هامين من غير تيارهم سواء كانوا من طائفتهم أم من غيرها.

أما الناخبون الموارنة، فقد غيروا البندقية ونقلوها من كتف إلى كتف، أعني أنهم تراجعوا عن تأييد ميشيل عون، وقسموا أصواتهم بين زعماء مسيحيين (موارنة) آخرين، منهم حزب الكتائب وحزب القوات اللبنانية إضافة لميشيل عون، وبذلك تحول عون من زعيم أكثرية مسيحية مارونية بل مسيحية بعامة كما كان حاله في المجلس النيابي السابق، إلى أحد الزعماء المسيحيين فقط، بل إن معظم نوابه الناجحين فازوا بأصوات غير مارونية كما أشرت، إما بأصوات شيعية كما هي حال مرشحي دائرتي بعبدا وجبيل أو بأصوات أرمنية كما هي حال دائرة المتن.

ولعل تراجع زعامة عون المعنوية والفعلية سيكون لها تأثير كبير على المرحلة المقبلة سواء منها السياسات التي ستتبعها المعارضة وخاصة حزب الله (الذي لن يستطيع الاعتداد بعد الآن بالدعم المسيحي له) أم تلك المتعلقة بصلاحيات رئيس الجمهورية، أم ببنية النظام السياسي اللبناني والدولة اللبنانية وإقرار قانون انتخاب جديد، لن يكون لصالح المعارضة على أية حال.

أدت الانتخابات اللبنانية إذن إلى تحقيق توازن داخل الطائفة المسيحية (وخاصة داخل الموارنة) فلم يعد أحد يستطيع الزعم بأنه زعيم أوحد للمسيحيين، كما لم يعد أحد يستطيع المبالغة في المخاطر المقبلة على المسيحيين، ولاشك أن المسيحيين اكتسبوا قوة معنوية هامة نتيجة هذه الانتخابات، وتذكروا من جديد أنهم مواطنون لبنانيون أصلاً، وأن دورهم اللبناني والعربي دور تاريخي، وفي الغالب الأعم لن يعود حماسهم للهجرة من لبنان كما كان سابقاً، فالتوازن والحالة هذه هو توازن نفسي على نطاق الفرد المسيحي، وطائفي على نطاق الطائفة، ووطني على نطاق لبنان كله.

وكما حققت نتائج الانتخابات اللبنانية توازناً معنوياً مسيحياً، فقد حققت في الوقت نفسه توازناً (أو إعادة توازن) على نطاق النظام السياسي اللبناني والديمقراطية اللبنانية، حيث أعطيت أكثرية واضحة لفريق (14 مارس) وأثبتت عدم صحة مزاعم المعارضة التي كانت تقول إن أكثرية هذا الفريق الحالية هي أكثرية (وهمية).

وأنها فازت في الانتخابات السابقة عام (2005) نتيجة موقف عاطفي وانفعالي جماهيري بعد اغتيال الرئيس الحريري، وبالتالي تهاوت مبررات المعارضة التي كانت تزعم أنها هي الأكثرية الحقيقية رغم أن السيد حسن نصر الله تحدث في خطابه يوم الاثنين الماضي عن (الأكثرية النيابية والأكثرية الشعبية).

لكن المعارضة لم تعد تستطيع الآن المطالبة بأكثر مما يعطيها القانون من دور في اللعبة السياسية يتناسب مع عدد نوابها، واستطراداً لم يعد من حقها المطالبة بثلث عدد أعضاء الحكومة المعطل، ولا التلويح بالاعتصام أو استخدام السلاح أو غيره، وأصبح قبول اللعبة الديمقراطية أمراً لا يمكن التهرب منه تحت أية ذريعة.

من غير الحكمة توقع هدوء الفعالية (والمماحكة) السياسية بين القوى الحزبية والسياسية اللبنانية، فذاك تقليد يصعب على اللبنانيين التخلي عنه، وستبقى التصريحات (الاستعراضية) والمساومات والتهويل والتهديد وغيرها وسائل معمول بها في اللعبة الديمقراطية اللبنانية، ولكن الواقع الذي فرزته الانتخابات يفرض نفسه ويحول هذه الوسائل كلها إلى أدوات لعبة لا يتوقع أحد أن تجد طريقها للتطبيق بحيز الواقع.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org