على طاولة عشاء، دار حديث حول الانتخابات في لبنان والوضع في فلسطين. كان المتحدثون من القادة العالميين من أمثال ماري روبنسون رئيسة وزراء إيرلندا السابقة، وجيمس ولفنسون الرئيس الأسبق للبنك الدولي وغيرهم من الاختصاصيين في شؤون السياسة والاقتصاد. لم أشترك في الحديث البتة، وحين جاء وقت الحلوى قالت لي ماري: «لم نسمعك تدلي برأيك أيها الشاب؟» فقلت لها بأن ما قالوه لا يهمّني ولذلك لم أرد المشاركة فيه.

ضحك الجميع، فسألتني ماري عمّا يهمّني إذن؟ فقلت لها: كل شيء ما عدا السياسة. ثم استرسلتُ في حديث طويل ملخّصه أن غالبية أقراني من الشباب لا يعبأون بالسياسة ولا يلقون لها بالاً، وهو ما أكّده أحد الباحثين في شؤون الشباب المسلم في مؤسسة «جالوب» للأبحاث، الذي كان جالساً على الطاولة معنا.

قلت للحضور بأنني أتيت إلى الدوحة لحضور مؤتمر حول تحديات البطالة التي تواجه الشباب العربي، وليس للحديث عن السياسة، فما تردي أوضاع المنطقة العربية إلا بسبب غرقنا في السياسة من رؤوسنا إلى أخمص أقدامنا منذ أكثر من خمسين عاماً تقريباً.

قلت للحضور بأنني لا أعبأ بالانتخابات في لبنان، ولا بعملية السلام، على الرغم من أنني أهتم لأمر إخواني الفلسطينيين وأقدم لهم يد العون ما استطعت. ولا أعبأ كذلك بالمناوشات الأميركية الإيرانية ولا بالفساد الحكومي في أفغانستان ولا بالوضع الأمني في باكستان والعراق ولا أي شيء من ذلك كله. فزأر في وجهي فجأة أحد الأخوة العرب الجالسين على الطاولة متسائلاً: كيف لا تعبأ بكل هذا؟.

ثم أردف: تصور لو أن إسرائيل هاجمت إيران، وتحركت المقاتلات الأميركية في «خليجكم» للرد عليها، واجتاح جنود من كل الجهات دولة الإمارات، ودمّر بيتك وشرّدت أسرتك، هل ستقول حينها بأنك لا تعبأ!

فضحكت، مما أثار حفيظته وحال بياض وجهه إلى احمرار شديد فقلت له: «هذا التفكير السلبي هو الذي قادنا إلى ما نحن فيه. لقد عاش غالبية الناس من الجيلين اللذين يسبقان جيلي في هذه الدهاليز السياسية حتى احتبست أنفاسهم واختنقوا وماتت الهمّة في نفوسهم.

فلقد تعلّق أولئك بالسياسة الناصرية التي حطّمت في النهاية آمالهم وأحلامهم الوحدوية. مما أدى إلى فقدانهم الثقة بأنفسهم وبأوطانهم، والنتيجة أنهم نقلوا هذا الإحباط والشعور بالانهزامية إلى الأجيال التي تلتهم.

لا أقول بأنني لا أخشى من حدوث السيناريوهات التي ذكرتها، ولكنني لا أريد أن أعيش عمري كلّه بين سندان الهجمات الإرهابية ومطرقة الانتخابات العربية. أريد أن أعيش المستقبل، أن أتعلم وأقرأ، أن أسافر وأختلط بالناس، أن أكتسب خبرات جديدة كل يوم حتى أستطيع أن أساهم في نهضة مجتمعي وبلدي.

وإذا صار المحظور لا قدّر الله، فعندها لا بد من الوقوف جنباً إلى جنب مع إخوتي للدفاع عن أرضي. ولكنني حتى ذلك الحين، لن تسكنني الكوابيس التي سكنت كثيراً من العرب وجعلتهم عالة على أنفسهم، تلفظهم المقاهي نهاراً، لتتلقفهم الجريمة ليلاً».

عندما انصرفنا بعد العشاء، قضيت ليلتي أفكّر في تلك العاطفة المهولة التي تدفّقت من أخينا العربي أمام الآخرين حتى ظنّوا أنه سيهاجمني بسكين الطعام، واستغربت لماذا يصر «بعض» العرب على متابعة كل صغيرة وكبيرة في السياسة التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل!

في اليوم الثاني حضرت مؤتمر الدوحة الذي تنظمه مؤسسة «صلتك» المعنية بتوفير الدعم المادي والمعنوي للشباب العربي للحصول على وظائف.

اجتمع مئات الخبراء لمناقشة نتائج دراسة أصدرتها كليّة دبي للإدارة الحكومية بالتعاون مع البنك الدولي تفيد بأن العالم العربي سيحتاج لتوفير مئة مليون وظيفة بحلول العام 2020. ثم استعرض المنظمون نتائج مؤشر «صلتك» الذي أعدوه بالتعاون مع مؤسسة «جالوب»، حيث تبين أن ثلثي سكان الوطن العربي تقع أعمارهم تحت سن الرابعة والعشرين، وأشار التقرير أيضاً أن 30% من السكان تقع أعمارهم بين الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين، أي أن الوطن العربي يحوي بين جنباته أكبر قوّة بشرية شابّة في العالم، ولكنّه في نفس الوقت به إحدى أكبر نسب البطالة في العالم.

عندما سُئل الشباب في التقرير عن العقبات التي تقف دون حصولهم على وظيفة قالوا بأن هناك ثلاث عقبات رئيسية هي: ضعف جاهزية اقتصاد الدول العربية.

حيث قال 68% من الشباب المصري على سبيل المثال ان الاقتصاد المصري غير قادر على توفير وظائف للباحثين عنها في سوق العمل. التحدي الثاني هو انعدام آلية حيادية للتوظيف، حيث قال 32% من الشباب البحريني و31% من الشباب السوري بأنه لا يمكن لأحد أن يحصل على وظيفة في بلدانهم إن لم تكن لديه «واسطة».

هنا قام وزير العمل في إحدى الدول العربية وقال: «أستغرب ممن ينتقدون نظام الواسطة في الوطن العربي. فلو نظرتم إلى أوروبا لوجدتم أن كل شخص هناك في حاجة إلى واسطة أيضاً للحصول على عمل!» عندها فُتح الباب على مصراعيه للتهكمات وأثيرت زوبعة في القاعة استمرت حتى اليوم الثاني.

التحدي الثالث كان عدم وجود فرص للتدريب، حيث قال 26% فقط من الشباب العربي انهم يعلمون بوجود فرص للتدريب لتأهيلهم للحصول على وظيفة، ولكن كانت المفاجأة أن 61% من هؤلاء الشباب لا يستطيعون الحصول على أي من تلك الفرص.

في نهاية جلسة التقرير، وقف وزير عمل من دولة عربية أخرى وقال: «أريد أن أعرف كيف جمعتم هذه المعلومات؟ في أي (الحواري) وفي أي الشوارع قابلتم الشباب، حتى نستطيع أن نستخدم هذه الإحصائيات لبناء خططنا المستقبلية»!

قبل أن نقوم من على طاولة العشاء في تلك الليلة المشهودة، ذكَرَتْ إحدى الحاضرات لثائرنا العربي مقولة عن روزفلت تقول: «قد لا نستطيع أن نبني المستقبل لأبنائنا، ولكننا نستطيع أن نبني أبناءنا للمستقبل» فقلت له وأنا أختم حديثي: «لا أريد لليأس أن يتسلل إلى نفسي مثلما تسلل إلى نفسك، ولا يهمني أن يدرس أبنائي تاريخ السياسة العربية كما فعلتَ، لأنني أريدهم عندما يكبرون أن يفجّروا طاقاتهم لا أن يفجّروا أنفسهم».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com