قُراء التجربة الوحدوية الأوروبية وشراحها يجمعون على أن نتائج الانتخابات البرلمانية الاتحادية، التي اختتمت في 8 يونيو الجاري، حفلت بالمؤشرات السلبية.. كالإقبال الشعبي الضعيف على التصويت، وتزكية الأحزاب والقوى الموصوفة بالتطرف والعنصرية، واندياح التشكيك في جدوى المؤسسات الاتحادية وقدرتها على التصدي للأزمات الطارئة، ومنها الأزمة الاقتصادية المحلقة في أفق القارة العجوز.
يقال ضمن التفسيرات المتداولة والمقبولة لهذه الظواهر، إن المواطن الأوروبي ما زال عاجزاً عن فهم الآليات التي يؤثر بها البرلمان الاتحادي علي حياته اليومية.
كما أن بعض المواطنين، وبخاصة في الدول حديثة العهد بعضوية الاتحاد، لا يعرفون كيفية تقاسم السلطة بين البرلمان والمفوضية الأوروبية التي تمثل الذراع التنفيذي للاتحاد، فضلاً عن وقوعهم في حيرة التعامل مع عدد كبير جداً من التشريعات والقوانين واللوائح المنظمة لعمل المؤسسات الاتحادية.
هناك، والحال كذلك، نقص في التوعية بدور التجربة الاتحادية وأسلوب عملها، ونقص مواز آخر في تدفق التواصل بين المؤسسات الاتحادية وبين قواعدها الشعبية، والأرجح أن هذه النقائص ليست وليدة اليوم، لكن الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة ساهمت في إظهارها، بل ووضعت الفكرة الأوروبية الوحدوية برمتها تحت المجهر الشعبي.
نود القول ان هذه الأزمة أثارت تساؤلات الناخبين عما يفعله الاتحاد وما لا يفعله لمواجهة معدلات البطالة العالية، ومشكلة المهاجرين الأجانب الذين يزاحمون الأوروبيين في أسواق العمل. ولا بد أن هؤلاء الناخبين راحوا يستشعرون هوان الدور الأوروبي في التصدي للمشكلات الدولية الساخنة.
مع ذلك، يخطئ المتربصون بالتوجه الوحدوي الأوروبي، إذا ما ذهبوا في تصوراتهم إلى درك التشكيك في مستقبله، انطلاقا من لحظة الفتور الراهنة. تقديرنا أن الخط البياني للوحدة الأوروبية قائم ومستمر وصاعد في مجمله، رغم تعرضه للتذبذب في بعض الأحايين، شأن ما تتعرض له أية عملية تحولية تاريخية كبرى وفارقة.
دليلنا على ذلك أن منتقدي هذه التجربة من أهل البيت في أوروبا لا يفضلون الانسحاب منها، وأن الاتحاد آخذ في التوسع حثيثاً وليس العكس. وتسأل عن صحة هذا التقدير النخب السياسية التركية التي تتحرق شوقاً للالتحاق بالقطار الأوروبي بلا ملل منذ عقود.
المراد أن نقد التجربة الاتحادية الأوروبية ومحاولة تصحيح مسارها والرغبة في معاينة فوائدها في أوقات الشدائد، شيء ورفضها شيء آخر. ولا بد أن حراس هذه التجربة سيتوقفون ملياً عند سلبياتها في المرحلة الراهنة سعياً إلى تداركها، ولن يعدموا الوسائل اللازمة لذلك.
كاتب وأكاديمي فلسطيني