يشغل سؤال العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الآن اهتماما كبيرا من الكثيرين، سواء في البلدين أو في باقي دول العالم، وخاصة في القارة الأوروبية التي عانت أكثر من غيرها بسبب الحرب الياردة بين الدولتين العظمتين، والسؤال المطروح حاليا هو «كيف يمكن أن تكون العلاقة بين البلدين في ظل المتغيرات على الساحة الدولية ؟».

الواقع يقول إن هناك تحسنا ملحوظا وكبيرا في العلاقات بين البلدين الآن رغم وجود نقاط خلاف وبعض المشاكل بينهما، والبلدان متفقان تقريبا على ألا يسمحا لنفسيهما بوقوع فشل جديد في إطلاق العلاقات بينهما للأمام وهذا في حد ذاته شيء إيجابي ومهم، إذ لابد من توافر القناعة لدى الطرفين بضرورة تحسين وتطوير العلاقات بينهما، ويمكن القول أن هذه القناعة موجودة الآن في البلدين على المستويين الرسمي والشعبي، لكن هذا لا يخفي الحذر الواضح لدى الطرفين وعدم اكتمال الثقة لدى كل منهما تجاه الآخر.

الثقة المتبادلة بين موسكو وواشنطن لم تكن في أحسن حال خلال فترة طويلة. وستحتاج عملية بنائها إلى زمن غير قليل، روسيا من جانبها تشعر أن واشنطن مازالت تتعامل معها بنظرة علوية وبشيء من الغرور والكبرياء، ولا تنظر إليها كدولة كبرى، وروسيا شأنها شأن أية دولة كبرى لا يمكن أن تغدو جزءً لا يتجزأ من النظام الدولي المتشكل إلا على قدم المساواة.سواء مع الولايات المتحدة أو مع غيرها من الدول.

إن أعمال الإدارة الأميركية السابقة بما فيها الأعمال الرامية إلى الإبقاء على حالة عدم الاستقرار في بعض الدول والمناطق تسببت في تكديس ظواهر سلبية كثيرة في السياسة العالمية والإقليمية، ولابد من إحداث تغيير جذري في السياسة الأميركية الخارجية.

لقد كانت تقام في عهد إدارة بوش بين روسيا والولايات المتحدة أسس للمساواة في الحقوق. لكن تلك المساواة كانت تبنى على أساس سلبي، إذ أن روسيا تخلت عن التعاون القائم على شروط تفرض عليها.

أما الآن فيتعين علينا تحويل هذه المساواة إلى قيمة إيجابية عن طريق التعاون القائم على الاحترام المتبادل في الأجندة الواسعة، وبغض النظر عن قرارات ستتخذها إدارة أوباما في الأشهر القريبة فان احتمال وقوع تغيرات إيجابية في علاقات روسيا مع الولايات المتحدة بحد ذاته سيساعد في تطبيع السياسات العالمية والإقليمية وبالدرجة الأولى في المنطقة الاوراطلسية.

إن روسيا والولايات المتحدة اللتين لا تزالان تتحملان المسؤولية عن مصائر العالم مدعوتان إلى أداء دورهما في الزعامة الجماعية لدول العالم الأساسية، الأمر الذي يتطلب،قبل كل شيء، استعادة الثقة. وكان قد طرح الرئيس الروسي دميتري مدفيديف فلسفة روسية تدعو إلى وضع بداية جديدة في العلاقات مع واشنطن.

وليس صحيحا ما يردده البعض في الآونة الأخيرة حول «مقايضات» في السياسة الخارجية الروسية، المقايضات تخلو من المبادئ. ومن شأنها أن تخل بالثقة بالدبلوماسية الروسية التي تحرص موسكو على الاحتفاظ بها وبسمعتها جيدة أمام الآخرين.

موسكو ترى أن التعاون القائم على المساواة في الحقوق في حل كل مسألة هو أكثر الطرق فاعلية لتسيير الأمور. وذلك مع شرط أن تحترم المصالح لكل من الجانبين.

النظام الجديد الحاكم في روسيا يؤكد دائما على أنه لا رجعة إلى مجالات نفوذ سابقة ويشدد على أن العالم لن يعود ثنائي الأقطاب، ولا يجب التعامل مع أي تقارب بين دولتين أو أكثر على أنه استقطاب وسعي لبسط النفوذ، خاصة.

بالنسبة لجيران روسيا القريبين فإن موسكو معنية بأن تكون تلك الجيران دولا صديقة ومستقرة ومتطورة ديناميكيا. ويتفق هذا الموقف وخطط الدول نفسها ولا يمكن أن يتعارض مع مصلحة أي جهة أخرى.

وروسيا بدورها لا تطالب بشيء من شركائها الغربيين إلا سياسة شفافة يمارسونها على ساحة رابطة الدول المستقلة التي من شأنها أن تنطلق من احترام مواقف الدول الأخرى ومبدأ تكامل المصالح في مختلف مناطق أوروبا كما تنص على ذلك اتفاقيات روسيا مع الاتحاد الأوروبي.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com