شهد الرابع من يونيو الجاري، حدثاً سياسياً مهماً، فقد وقف الرئيس الأميركي باراك أوباما، أمام بضعة آلاف من المدعوين، في القاعة الرئيسية في جامعة القاهرة، ليوجه خطاباً إلى العالم الإسلامي. للخطاب دلالاته المكانية والسياسية، فمصر أكبر البلدان العربية، وهي أول الدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهي تلعب دوراً ناشطاً فيما يتعلق بالتخفيف من آثار الصراع بين الفلسطينيين أنفسهم، وبينهم وبين إسرائيل.

وعلى أية حال، فقد كسب الرئيس أوباما الكثير في هذا الخطاب، وازدادت شعبيته في العالمين العربي والإسلامي، قبل وقوفه على منصة الخطابة، بسبب الحملة الإعلامية التي رافقت ذلك، خاصة في تركيزها على اختياره للعاصمة السعودية مدخلاً للعالم الإسلامي، واختياره العاصمة المصرية مكاناً لإلقائه.

الولايات المتحدة لم تجد نفسها بحاجة لتوجيه خطاب إلى العالم الهندوسي، أو إلى العالم البوذي، وهما عالمان كبيران جداً من حيث الكثافة العددية للمنتمين إليهما.

إلا أنها وجدت نفسها بحاجة إلى ذلك مع العالم الإسلامي، وهذه في الحقيقة نقطة إيجابية تحسب لصالح الرئيس أوباما وتدل على شجاعته وموضوعيته وتستوجب التوقف، وذلك لأسباب ثلاثة: أولهما اعتراف ضمني بأن السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة على مدى العقود الماضية أتسمت بروح غير ودية نحو هذا العالم، تزايدت حدتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وثانيهما الإشارة إلى أن العالم الإسلامي هو مصدر معظم القضايا التي تقلق الأمن والاستقرار في العالم، وثالثهما التنويه بأن على العالم الإسلامي المباشرة بالقيام بالإصلاحات.

قبل الخوض في حيثيات خطاب الرئيس الأميركي ثمة ما ينبغي تصحيحه في هذا المجال، وهو أن القول بأن الخطاب موجه إلى العالم الإسلامي، ليست غير نصف الحقيقة، إلا أن نصفها الأكثر أهمية هو أنه موجه إلى الشعب الأميركي كذلك.

فهو في مجمله برنامج عمل فضفاض للإدارة الأميركية الجديدة للخروج من أزمات كثيرة آخرها الأزمة الاقتصادية الخانقة، بعد سلسلة إخفاقات حققتها سياسات الاقتحام التي مارستها الإدارة السابقة لخلق شرق أوسط جديد، والتي ألحقت أضراراً كبيرة بسمعة الولايات المتحدة.

ثمة مفارقة ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، وهي أننا قد نكتشف، بعد خروج الرئيس الأميركي أوباما من البيت الأبيض، بأن الشراكة التي دعا إليها في خطابه لم تثمر عن شيء يوازي توقعات المبالغين في التفاؤل بما طرحه الرئيس، وذلك لأنها تفتقر إلى الأسس الواقعية.

فالعالم الإسلامي ليس له مرجعية سياسية، والعالم العربي ليس لديه مرجعية سياسية كذلك، فالدول التي تنتمي لأحد هذين العالمين، أو لكليهما، لها مواقف متباينة، تتراوح بين العداء المعلن للولايات المتحدة إلى الصداقة والتبعية المعلنة لها، هذا في الوقت الذي تعتبر فيه الإدارة الأميركية التي يمثلها الرئيس أوباما مرجعاً سياسياً وقانونياً قائماً لما يمكن أن نسميه الأمة الأميركية.

خطاب الرئيس أوباما فيه نكهة من يرغب في إجراء التغيير وتحريك المياه الراكدة، ولكن على استحياء، فالإدارة الأميركية الجديدة تسعى إلى خلق أجواء سلمية بعيدة عن حالات التشنج التي رافقت الخطاب السياسي للإدارة السابقة.

ومع أنه قد وصف بالإيجابي والبناء والمتوازن من قبل العديد من السياسيين في المنطقة العربية، إلا أنه ليس كذلك حقاً، لأن الرئيس أوباما لم يمسك العصا من منتصفها تماماً.

فهو قد ألزم نفسه في حملته الانتخابية بأن تكون القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل في الكلمة التي ألقاها في أيباك (اللوبي الصهيوني)، إلا أنه لم يكلف نفسه عناء الإشارة، ولو بشكل مبهم، إلى رغبته في التراجع عن ذلك، وهو يعلم حق العلم ما لهذه المدينة العريقة من قيمة رمزية وروحية لدى الفلسطينيين أولاً، ولدى العرب ثانياً، ولدى العالم الإسلامي أخيراً، بل اكتفى بالإشارة بشكل غامض إلى مستقبل هذه المدينة، حين ذكر بأنها ملك لأبناء الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية. كما أنه لم يلزم نفسه بأي جدول زمني لتحقيق مشروع الدولتين، الفلسطينية والإسرائيلية في المنطقة.

ليس هناك من ينكر انحياز السياسة الأميركية ضد القضايا العربية ولصالح إسرائيل، ولكن ليس من الموضوعية القول بأن هذه السياسة قد ألحقت أضراراَ بهذه القضايا، قدر ما ألحقته سياسات الفصائل والفرقاء ذات العلاقة بها، ويكفي الإشارة إلى انقسام الشعب الفلسطيني في خندقين واحتكامهما إلى السلاح لحسم الخلافات بينهما وهم في الظرف الذي يتطلب اصطفافاً وطنياً يسمو على الخلافات.

وضع الرئيس الأميركي كل ما في جعبته من مقاربات للقضايا التي يرى أن العالم الإسلامي لم يعرها ما تستحق من اهتمام: الحريات الدينية، الوجود المسيحي في العالم الإسلامي، المعاداة للسامية، الديمقراطية، حقوق المرأة، التطرف الديني، حقوق الإنسان، تغييب الرأي العام، وضعها في خطابه، إلا أنه سجل تراجعاً ملحوظاً عن سلفه جورج بوش فيما يتعلق بالترويج للمبادئ الأميركية التي تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فخطابه تصالحي مع الأنظمة المحافظة في المنطقة، وتطميني لها في الوقت نفسه.

خاصة بعد أن توجست كثيرا من برنامج الرئيس السابق حول الشرق الأوسط الجديد ونشر الديمقراطية فيه. وهو في مقارباته لهذه القضايا قد وضع العالم الإسلامي في ساحة الاتهام، وهذه، على أية حال، ليست مجافاة بالكامل للحقيقة.

إلا أنه، مقابل ذلك، لم يتطرق، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى إسهامات الولايات المتحدة في صنع حاضر العالم الإسلامي، أو على الأقل، المسؤولية عن إدامته. فهي، أي الولايات المتحدة، كما هو معروف، وعلى مدى عقود طويلة، كانت حامية للأنظمة المحافظة ومدافعة عنها ضد الحركات الإصلاحية التي حوربت ومن ثم تشرذمت في أزقة الدول الأوروبية.

الرئيس أوباما محق جداً حين قال بأن خطابه لا يستطيع أن يزيل ما تراكم على أمد طويل من فقدان للثقة، وأن على الجانبين أن يبذلا جهوداً مستمرة لتحسين هذه العلاقة، إلا أنه لم يلزم نفسه بتغير في المواقف الأميركية من القضايا الحساسة للعالم العربي والإسلامي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae